ئەمە بڵاوبكەوە
FaceBook  Twitter  

نحن اليوم لسنا أمام إشكالية نظرية نتحرى عن حل لها أو إجابة عنها، بل نحن أمام حالة عملية ملموسة ومطروحة على بساط البحث والممارسة، إنها إشكالية هوية الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره بنفسه. فما هو مفهوم الهوية في هذا الإطار الذي حددته؟ 

أرى إن الهوية بمفهومها الملموس هي التعبير عن، أو التجسيد لـ، وعي الفرد وادراكه لذاته وثقافته ضمن المجموعة الثقافية أو الحضارية التي هو منها ويعيش معها، إنه الوعي الذي يضع الإنسان أمام خياره ورغبته الملحة في اثبات ذاته، وفيما يسعى إليه. وهي باختصار إدراك معنى الحرية كضرورة، كرؤية فلسفية. والهوية بهذا المعنى لا تقتصر على عنصر واحد، فهي تجمع بين ماضي الفرد والجماعة وحاضرهما ورؤيتهما المشتركة للمستقبل، وهي تجمع بعض أو كل العناصر التي يمكن أن تشكل الهوية، ومنها: الثقافة، واللغة، والتاريخ، والذاكرة، والقومية، والوضع النفسي والتطلعات، والعادات والتقاليد، والجغرافية، أو المكان. والفرد الكردي له هويته المشتركة مع البشرية كلها، إنها إنسانيته، ولكن له خصوصيته في هويته، كما لبقية البشر، فهو كردي القومية، واللغة، والثقافة، والتاريخ، وكردستاني المكان، أو الجغرافية، وهو ميزوبوتامي التراث والحضارة، أو عراقي المشاركة في التاريخ والهموم،كما إنه شرق أوسطي وآسيوي في آن واحد. ومن هنا نرى أن ليست للإنسان، ومنهم الفرد الكردي، هوية واحدة، بل هوية مركبة من هويات فرعية، وتعددها لا يلغي الهوية التي يرى فيها شخصه أو شخصيته وثقافته ويركز عليها كفرد ضمن الجماعة التي هو منها. كما علينا أن نرى بأن الهوية ليست ثابتة بل متحركة ومتطورة بتطور وعي الإنسان وقدرته على وعي ذاته وحقوقه ولاسيما حريته باعتبارها وعي الضرورة.

ولكن الهوية قد تصبح قاتلة حين تكون ذات نزعة قومية شوفينية أو عنصرية، أو دينية متشددة أو طائفية متعصبة تميز بين أتباع الديانات والمذاهب، وتمارس التمييز بين الناس على إساس ذلك وتمارس قاعدة الـ "أنا" ضد الـ "آخر"! ويمكن أن تبرز هذه الهوية القاتلة لدى جميع الشعوب والقوميات دون استثناء!

الشعب الكردي يتمتع، كبقية شعوب العالم، بحقه الكامل والحر في تقرير مصيره بنفسه، ودون وصاية من أحد. وهذا الحق مضمون دولياً على وفق وثائق الأمم المتحدة التي نصَّت، على سبيل المثال لا الحصر، على ما يلي:

لـ"جميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها بحرية وإرادة واستقلال وفقاً لمْا تريدهُ، بعيداً عن أية قوة أو تدخل أجنبي. وبعيداً عن أية أعمال بربرية وخزتْ بآثارها الضمير الإنساني، لبزوّغ فجر جديد يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة والتحرر من الخوف والاضطهاد، والدفع بالرّقي الاجتماعي قدمًا، ولتحقيق مستوى أرفع للحياة في جوُ من الحرية الإنسانية والتسامح والأخوة والعيش المشترك، كأسمّى ما ترّنو إليه أيةُ نفس بشرية". [أنظر: حق الشعوب في تقرير مصيرها، تقرير، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 421 الصادر في 4/ كانون الأول/1950، منظمة حمورابي لحقوق الإنسان. 06/08/2017].فهل من حق الشعب الكردي أن يمارس بكل حرية هذا الحق؟ أطرح هذا السؤال الغريب لأن هناك حكاماً في الدول الأربع التي وزع عليها الشعب الكردي في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو التوزيع الثاني تاريخياً، يرفضون الاعتراف بهذا الحق بكل شراسة بل خاض بعضهم الحرب أو استخدم الإبادة الجماعية، وما زال بعضهم مستعداً لارتكاب مثل هذه الجريمة، إضافة إلى القوى القومية والدينية اليمينية والمتطرفة التي لا ترى في ممارسة هذا الحق أي شرعية، وهي بذلك تبرهن على إنها ليست حرة، أو لا تفهم معنى الحرية لها وللآخرين.  

لم تكن النظم السياسية العراقية كلها ولا الحكومات التي أقيمت في العهد الملكي، ولا العهود الخمسة للجمهوريات العراقية، منصفة وعادلة مع الشعب الكردي ومع القوميات الأخرى، بل كانت جائرة ومستبدة مع الشعب العراقي كله، ولاسيما مع الكرد والقوميات الأخرى، وعلينا هنا أن نتذكر حرب النظام الدكتاتوري البعثي والإبادة الجماعية في عمليات الأنفال ضد الشعب الكردي، أو سياسات حافة الحرب من جانب النظام السياسي الطائفي برئاسة المستبد بأمره نوري المالكي ورهطه. فكان التمييز والتهميش والإقصاء في صلب علاقة الحكومات العراقية المتعاقبة مع الشعب الكردي والقوميات الأخرى.

لا يمكن لأي إنسان حر وعاقل أن ينكر حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وفيما عاناه خلال العقود المنصرمة،إذ لا يمكن أن يكون الإنسان حراً ما لم يعترف بحق الإنسان الآخر في التمتع بالحرية الكاملة غير المنقوصة، وبالتالي أدرك تماماً، كإنسان حر وديمقراطي ومادي المنهج والنهج، بأن الشعب الكردي يحلم منذ قرون وعقود ويتطلع إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بدولة كردستانية ديمقراطية حرة ومستقلة. وقد ناضل بعناد واستمرارية من أجل هذا الهدف وقدم لها أغلى التضحيات، ومن حقه الكامل أن يناضل بعزيمة مضاعفة من أجل ذلك. وليس من حق أحد أن يعترض على ممارسة هذا الحق، ولكن من حق أي صديق من أصدقاء الشعب الكردي أن يتساءل: هل حان الوقت المناسب لمثل هذه الخطوة؟ وإذا كان هذا الوقت قد حان فلِماذا الاستفتاء؟ إذ يمكن إعلانالاستقلال.

أشعر، كصديق ثابت للشعب الكردي، منذ أكثر من ستة عقود، وناضل معه في سبيل الديمقراطية للعراق وحق تقرير المصير للشعب الكردي، بأن الوقت لم يحن تماماً للاستفتاء أو لخطوة الاستقلال، بل أشعر بأن العودة إلى استراتيجية التحالف مع القوى الديمقراطية العراقية في رفض التمييز والتهميش والإقصاء وحل الخلافات والمشكلات القائمة بطرق ديمقراطية وسلمية وسريعة، ورفض قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية السيء لا تأييده، ورفض تشكيل مفوضية الانتخابات على أسس المحاصصة الطائفية، والسعي لتجميع القوى الديمقراطية في مواجهة القوى الظلامية، وحل المشكلات الداخلية بالإقليم وتعزيز الديمقراطية والمؤسسات الدستورية وحقوق الإنسان، هو الطريق الوحيد والأسلم والأضمن الذي يمهد الطريق لتحقيق ما تتطلع له القوميات العديدة بالعراق، ولاسيما طموحات وتطلعات الشعب الكردي في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية على أرضه. إنها الخطوة الأساسية والضرورية والوحيدة للوصول إلى الهدف المنشود للشعب الكردي وقواه الوطنية. لقد فكرت ملياً بالأمر ليس من منطلق قومي شوفيني، وليس من منطلق وطني عراقي ضيق، بل من منطلق مصلحة الشعب الكردي ومصلحة العراق بكل قومياته في المرحلة الراهنة، وأرى أن يكون قرار إعلان الاستقلال في ظرف أكثر هدوءاً وأكثر مناسباً لمفاوضات مع حكومة أكثر ديمقراطية وواقعية من الوضع المعقد الراهن، كما يفترض أن يتجلى في سياسات ومواقف أخرى من جانب الحكومة الكردستانية بهدف تمتين الصف الديمقراطي الداخلي. كما أرى بأن الشعب الكردي لا يحتاج إلى استفتاء، إذ أن الشعب الكردي يتطلع إلى ذلك اليوم بكل شغف وتلهف، ولن يضيف الاستفتاء، إلا للرأي العام العالمي والمجتمع الدولي بأن الشعب الكردي يريد الاستقلال. كنت أتمنى أن ينحصر الاستفتاء في المناطق التي هي جزء من كردستان، ثم تترك المناطق التي تخضع لمصطلح "المتنازع عليها" لترتيب لاحق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لتجنب أي مضاعفات في الوضع العراقي.

هناك، كما يعرف الجميع، الكثير من التعقيدات الراهنة التي يفترض معالجتها قبل هذه الخطوة ومنها حل مشكلة المناطق المتنازع عليها التي راوغ حكام العراق طيلة السنوات المنصرمة على حلها، بل عملوا ضد الدستور، وهم اليوم ينادون بالدستور الذي تخلوا عنه، إضافة إلى مشكلة ومواقف القوميات الأخرى بالإقليم ...الخ.

ومع ذلك فمن يقف إلى جانب قضية الشعب الكردي، يفترض فيه أن يترك التقدير النهائي للشعب الكردي ذاته، وبالتالي فالأمر متروك للشعب الكردستاني فيما يراه مناسباً في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق وكردستان العراق وأوضاعهما المعقدة. أتمنى على الأخوة والأصدقاء الكرد أن يتخذوا الموقف الذي يجنب الشعب الكردي وبقية أبناء وبنات العراق المزيد من المصاعب والمتاعب. وهذا الموقف لا يعني أن على الأصدقاء أن لا يبدوا رأيهم في الموقف، كما يفترض ألايفسد اختلاف الراي في الود قضية!

لقد انتهى الاستفتاء وليس هناك من شك حول نتيجة الاستفتاء. وجميع القيادات الكردية أكدا بان الاستفتاء لا يعني إعلان الاستقلال مباشرة بل سيخضع للحوار مع الحكومة الاتحادية. إن الوضع ما بعد الاستفتاء يتطلب الكثير من الحذر والحيطة، وأرى ضرورة الالتزام بما يلي:

  1. الابتعاد الكلي والمطلق عن استخدام السلاح في معالجة المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
  2. التخلي الكامل عن خطاب إثارة الأحقاد والكراهية من جانب الجميع، وبشكل خاص في الإعلام والدعوة إلى التهدئة والبدء بالتحري عن حلول للمشكلات القائمة.
  3. إبعاد دول الجوار عن التدخل في الشأن العراقي أو طلب دعمها لهذا الطرف أو ذاك، وعلى القوميات بالعراق أن تحل مشكلاتها فيما بينها وبالطرق التفاوضية السلمية والاستفادة من تجارب الماضي السيئة عند استخدام السلاح.
  4. عدم اعتبار الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها، سواء أكان تصويت الأغلبية بـ "نعم" أو "لا"، مناطق كردستانية أو عراقية بل تخضع للحوار وإعادة التصويت في فترة لاحقة وفي ظروف أكثر عقلانية.
  5. تنشيط النضال من أجل التغيير الجذري للحكم بالعراق والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة.
  6. لقد كان الصراع بالعراق قد تبلور قبل إعلان إجراء الاستفتاء بكردستان بين القوى الديمقراطية ومن يرفض الطائفية، وبين القوى السياسية الطائفية الحاكمة. وقد تسبب الوضع الأخير إلى حرف هذا الصراع باتجاه أن يتحول ليكون بين العرب والكرد! وهو أمر خطير لا يجوز السماح به. وبالتالي لن يستفيد من ذلك إلا أولئك الذين تسببوا بنكبة العراق في الموصل ونينوى وغرب العراق، من أمثال رئيس الوزراء السابق ورهطه المُضلل والفاسد، ولهذا لا بد من العودة إلى الوضع الطبيعي إلى خوض الصراع لصالح الشعب من خلال أجراء التغيير في واقع الحكم بالعراق لصالح الديمقراطية والعلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي.