ئەمە بڵاوبكەوە
FaceBook  Twitter  

لقد كان مقتدى الصدر قد عاد لتوه من إيران إلى النجف بعد أن التقي بولي الفقيه الإيراني علي خامنئي وجلس بجوار قاسم سليماني، وبالقرب من كرسي الشاهنشاهية الذي اعتلاه خامنئي متبخترا وينظر إلى رعيته من علٍ، كما أظهرتهم الصور المنشورة في الصحافة العالمية. وكانت الانتفاضة قد تفجرت بأرقى أشكالها السلمية في العراق، فأعطى الصدر رأيه بالموقف الذي، كما يقال عنه "لايطير ولا ينكض بالأيد"، والذي تعرف عليه متظاهرو النجف حين ذهب إليهم بالسيارة لتأييدهم، ولكنهم لم يرغبوا أن يكونوا تحت عباءته أو عباءة سائرون!وحين ارتفع صوت الشعب: بغداد حرة حرة .. إيران برة برة، تحدث حينها رئيس مجلس النواب الإيراني وانتقد بشدة مقتدى الصدر واعتبره مخطئاً ومسيئاً لإيران!! لم يمر أكثر من يوم واحد حتى وصل قاسم سليماني إلى العراق ونظم عملية المقاومة للانتفاضة ووزع الأدوار بين القوى المؤيدة للوجود الإيراني في العراق وهيمنتها على السياسة والاقتصاد والمجتمع في البلاد. وحين لم يستطع التوافق المطلوب تماماً مع مقتدى الصدر [تقرر!] سفر مقتدى الصدر إلى طهران. وها هو لليوم الخامس في عاصمة إيران ووليها خامنئي ولم يعد إلى النجف،وسكتت كتلة "سائرون" عن الكلام المباح، عدا الحديث عن إعداد ملف الأسئلة لحين حضور عادل عبد المهدي إلى مجلس النواب، ولن يحضر. ولكن الكثير ممن هم في سائرون ومن ذوي الرأي المستقل يشاركون في الانتفاضة وبعيداً عن أي قرار. عطل رئيس مجلس النواب، على وفق توزيع الأدوار، عمل مجلس النواب بذريعة الجلسة مفتوحة ولن تعقد إلا حين يحضر رئيس الوزراء، ولن يحضر. وبالتالي أعفى مجلس النواب لأيام حاسمة نفسه من اتخاذ القرارات الضرورية حتى في غياب عادل عبد المهدي. إلى ماذا تشير الأمور الجارية في العراق حالياً؟ اطرح المسائل التالية:

أولاً: استمرار سلطات الدولة الثلاث، وفي مقدمتها الحكومة، في المراوغة والخداع والكذب وكسب الوقت وقتل المزيد من المتظاهرين واعتقال النشطاء منهم وبث الرعب من خلال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، إلى حين تراجع المظاهرات، كما يتوقعون ويتوقع كل المستبدين في أرض الله!! وأخر صورة نشرت لعادل عبد المهدي وهو يضع النظارة السوداء على عينيه. فقدذكرتني بصورة للدكتاتور بينو شيت في شيلي وصورة صدام حسين بنظارته السوداء أو حافظ الأسد أو القذافي أو حسني مبارك أو نوري المالكي، أو كل المستبدين وهم يضعون النظارات السوداء على عيونهم وكأنهم لا يريدون أو يخشون النظر المباشر في عيون الشعب! ولكنهم، كما نعرف لا يستحون حتى من ربهم الذي يدعون كذباً إيمانهم به، بعد أن فقدوا ضميرهم وتخلوا عن أي حس إنساني نبيل!! 

ثانياً: هناك احتمال وارد في حجز مقتدى الصدر في إيران لتعطيل مشاركة أتباعه في سائرون في التظاهرات بانتظار عودته، ولكن الكثير منهم يشارك فعلاً، ويبدو أنه لن يعود قبل (قتل!) الانتفاضة، ولكن هل في مقدور هؤلاء الأوباش قتل الانتفاضة، وإذا عاد مقتدى الصدر، هل استطاع الخامنئي غسل دماغه كما فعلوا مع نور المالكي والجعفري والعامري والخزعلي والفياض والمهندس ومن لف لفهم!

ثالثاً: كل المعطيات الجارية على أرض الواقع العراقي تشير بما لا يقبل الشك إلى أن المنتفضين في سائر مدن الانتفاضة لن يتراجعوا قيد أنملة، بل ستتسع المظاهرات وتنمو وتتطور في سائر أرجاء العراق؟ كل الدلائل المتوفرة تشير إلى استبسال حقيقي للمتظاهرين واتساع رقعة المظاهرات والمشاركين فيها، كرد فعل واقعي وضروري من جانب الشعب لسببين هما:أ) إصرار عادل عبد المهدي وطغمته على الاستمرار بخداع الشعب بإصدار قرارات بائسة في محاولة للالتفاف على المطالب المركزية للانتفاضة بأمل كسب الوقت والتهيئة لأمر سيء جداً ضد المنتفضين من جهة، وب) استمراره بإعطاء الضوء الأخضر والقرار الواضح بمواجهة المتظاهرين بالرصاص الحي والمطاطي والقنابل القاتلة تحت اسم "قنابل مسيلة للدموع!"، والذي عبَّر عنه بصراحة تامة العسكري الفالت من عقاله عبد الكريم خلف السيء الصيت والذليل أمام كل حاكم مستبد وأمام المال والسحت الحرام!!

خامساً: التآمر على الانتفاضة حتى الأمس كان مستمراً، إذ كان المجتمع الدولي في غيبوبة عما جرى ويجري في العراق من قتل يومي، وقد عبر عن ذلك الرجل الذي أعطى أوامره بالقتل، عادل عبد المهدي، حين قال بأن القتل أصبح أقل حالياً. ذكرني هذا يما قاله المجرم علي كيمياوي، ابن عم المجرم صدام حسين، حين قيل له في احد الاجتماعات بأن السلاح الكيماوي الذي استخدم في حلبچة وضد الكرد وعموم عمليات الأنفال في الإبادة الجماعية قد قتل فيها أكثر من 180 ألف إنسان كردستاني، ردَّ عليهم بقوله: لماذا تبالغون بعدد القتلى، إنه لم يزد عن 100 ألف شخص!!! فتأملوا هذه الوقاحة لعلي كيماوي، والذي يماثل قول عادل عبد المهدي المسؤول عن حماية الشعب والمتظاهرين قل عدد القتلى، اية وقاحة هذه أيها الصعلوك!!! إن السكوت السابق وغير المعقول للإعلام العالمي والمجتمع الدولي والرأي العام العالمي أمام انتفاضة الشبيبة والشعب الباسلة، رغم العدد الكبير للقتلى والآلاف المؤلفة من الجرحى والمعوقين وآلاف المعتقلين المعذبين والمختطفين والمغيبين، فإن هذه المؤسسات الدولية والإقليمية بدأت اليوم بالتحرك ضد ما يجري في العراق. تحرك الأمين العام للأمم المتحدة وتحرك الاتحاد الأوروبي وتحرك ممثل الأمم المتحدة في العراق، كما تحركت منظمات حقوق الإنسان الدولية ومنظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات الدولية التي تشجب عنف الحكومة العراقية وتدين قتلها الوحشي للمتظاهرين ورفضها الاستجابة لمطالب الشعب العادلة والمشروعة. إن هذا التحول مهم جداً ونأمل أن تتحرك الشعوب العربية في تأييد ودعم الشعب العراقي والتضامن معه في نضاله ضد الطائفية والفساد والتدخل الخارجي الفظ في الشأن العراقي.

سادساً: ليس هناك ما يخسره المنتفضون غير قيودهم. فوطنهم مستباح من قبل الطائفيين والفاسدين والخامنئيين، ولهذا فهم بطالبون بـ "وطنهم"، باسترداده ممن سرقوه وحولوه إلى وطن الرثاثة، وليس وطن الحضارة، إلى وطن البؤس والفاقة والحرمان، وليس وطن الغنى والثروة النفطية والرفاهية والسعادة، وطن القتل للمتظاهرين السلميين، وليس وطن الحب والحنان والاستجابة لإرادة الشعب ومطالبه. إنها المأساة والمهزلة التي يمر بهما العراق حالياً ومنذ 16 عاماً بالتمام والكمال. 

سابعاً: ليس فينا من لا يعرف بأن الكثير من اتباع مقتدى الصدر هم من الكادحين المهمشين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وأن الكثير منهم بدأ يدرك خلال السنوات الأخيرة أهمية تغيير النظام السياسي القائم ليس بالإصلاح غير الممكن لأن النخبة الحاكمة لا تريد ذلك، بل لا بد من تغييره وإقامة نظام مدني ديمقراطي على أنقاضه والعملية السياسية الفاسدة لا يمكن أن تستمر. ولهذا فلا بد لهم وبغض النظر عن موقف مقتدى الصدر، الذي ربما هو محجوز في طهران أو قم، كما كان رئيس حكومة لبنان سعد الحريري محجوزاً في الرياض حتى تم إقناعه بما ينبغي عليه فعله على وفق إرادة السعودية، أن يتخذوا الموقف المناسب. والكثير منهم يشارك في الانتفاضة بالرغم من إرادة إيران المناهضة للمنتفضين. 

وأخيراً، فنحن أمام مؤامرة قذرة تستهدف عملية التغيير للنظام السياسي الطائفي الفاسد في العراق، وعلينا مواجهتها والكشف عن ابعادها والقوى المساهمة فيها، علينا تعبئة الصفوف وتحقيق التنسيق والوحدة والتضامن الكامل بين قوى الانتفاضة في بغداد والمحافظات بهدف تطوير الزخم والضغط وممارسة كل الأساليب السلمية في مواجهة المعتدين وإحراز النصر على الحكام الظالمين.