ئەمە بڵاوبكەوە
FaceBook  Twitter  

الفهرست

أولاً: العوامل التي فجرت الانتفاضة الشبابية السلمية

ثانياً: مطالب الانتفاضة الشبابية السلمية

ثالثاً: موقف قوى النظام الطائفي الفاسد من تلك المطالب العادلة

رابعاً: وجهة تطور الأحداث والمشاهد المحتملة لمستقبل العراق

*********

أولاً: العوامل التي فجرت الانتفاضة الشبابية السلمية

إن القراءة المتمعنة في العوامل التي فجَّرت الانتفاضة الشبابية السلمية في الأول من تشرين الأول 2019 تضع أمام الباحث مجموعتين متشابكتين هما:

مجموعة العوامل الداخلية:

  1. الإحساس الداخلي العام لدى الشبيبة بأن الوطن العراقي مستباح من قوى في الداخل وأخرى من الخارج، ومعه استبيحت كرامة الإنسان العراقي، فأثُيرت غيرته وشهامته الوطنية على وطنه المسروق والمستباح وكرامته المجروحة.
  2. واقع الاغتراب المتبادل والكامل بين الشبيبة العراقية وبين الطغم الحاكمة في البلاد، إذ ساد بينهما حوار الطرشان، ولم يعد للكلام بينهما من فائدة ترجى لما تسعى إليه الشبيبة للشعب والوطن. وقد تجلى لها ذلك في الموقف الممعن بالرفض والقهر لمطالب المدنيين وعموم الشبيبة في الهبَّات والاحتجاجات في 2008 و2011 و2015 و2018.
  3. برز هذا الاغتراب ولا يزال في ظواهر صارخة متراكمة تحولت في لحظة معينة إلى حالة نوعية جديدة هي الانتفاضة المتعاظمة، وهي:
  • نهج المحاصصة الطائفية السياسية بين القوى الحاكمة والتي تعاملت مع الهويات الفرعية القاتلة وأهملت واحتقرت عملياً الهوية الوطنية والكفاءات المتوفرة في البلاد وركزت على المصالح الذاتية لما أطلق عليه بالمكونات، وكان المقصود بها تلك الأحزاب لا غير.
  • نهج التمييز الصارخ والمترسخ لدى الطغمة الحاكمة إزاء القوميات وأتباع الديانات والمذاهب الأخرى في البلاد والذي تجلى ليس في المحاصصة في توزيع السلطات الثلاث للدولة العراقية فحسب، بل وفي كامل السلوك العام في الدولة والمجتمع من جهة، واقترانها بالفساد الشامل من جهة ثانية، مما قادا إلى ابتعاد الطغمة الحاكمة عن الاهتمام والدفاع عن استقلال الوطن وسيادته وأدى إلى اجتياح البلاد بقوى القاعدة ومن ثم داعش وما نتج عن ذلك من عواقب كارثية مرعبة وإبادة جماعية لا يمكن ان تنساه الذاكرة العراقية، لاسيما الشبيبة، التي خاصت المعارك بشرف لإنقاذ العراق من تلك الوحوش الكاسرة.
  • نهج مصادرة الحريات العامة وحقوق الإنسان التي كفلها الدستور على عِلّاته، وصدور قوانين وإجراءات مخالفة للوائح الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها الموقف من حقوق المرأة وحقوق الطفل، وكذلك الاعتقالات خارج الشرعية والاختطاف والتغييب والتعذيب والاغتيالات والابتزاز وهيمنة الميليشيات الطائفية المسلحة على الشارع العراقي وتقاسمها المناطق السكنية لإخضاعها لها وابتزازها المالي والاجتماعي. كما بدأت شكلت لها مافيات اقتصادية مارست من خلالها المتاجرة بالجنس والمخدرات وأعضاء جسم الإنسان وكل ما هو إجرامي ومعيب ومؤذي للفرد والمجتمع.
  • الفساد العام والشامل الذي أصبح نظاماً وأسلوباً سائداً ومعمولاً به في تعامل الدولة بسلطاتها الثلاث والمجتمع ومع الخارج، وأصبح العراق في قبضة وتحت رحمة المافيات المحلية والإقليمية والدولية الفاعلة في العراق. وأصبحت الميليشيات الطائفية المسلحة هي المجسدةوالواجهة لهذه المافيات من جهة، وسلاح الدولة العميقة في الدفاع عن النظام السياسي الطائفي الفاسد وعن خضوع العراق للسياسة الإيرانية من جهة ثانية.
  • أدى هذا الواقع وطبيعة النظام السياسي الرث والفاسد إلى نشوء تمايز هائل بين الفئات الاجتماعية، بين حفنة رثة من الفاسدين الأثرياء التي كونت ثروتها من السحت الحرام ومن الرواتب والمخصصات والامتيازات العالية جداً وعلى حساب لقمة عيش المواطنة والمواطن، وبين اتساع قاعدة العائلات الفقيرة والمعدمة التي تعيش تحت خط الفقر أو عليه أو فوقه بقليل، مما عمق وشدد من التناقضات والصراعات الاجتماعية.
  • وأدى الإهمال التام لعملية التنمية الاقتصادية والخدمات الاجتماعية وتغييب متعمد للاستثمار في القطاعات الإنتاجية الىبروز بطالة واسعة جداً ومتراكمة سنة بعد أخرى، لاسيما بين الشبيبة، وبطالة مقنعة واسعة جداً في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، خاصة وأن الفجوة قد اتسعت بين نسب الولادات العالية وولوج سنوي متزايد من عدد القادرين على العمل إلى القوى العاملة، وبين عجز الدولة على توفير فرص العمل مما راكم في حجم البطالة وعمق التذمر.
  • لقد تحقق للعراق خلال الأعوام 2014-2019 ما يزيد عن ألف مليار دولار أمريكي، إضافة إلى قروض دولية استدانها العراق، ولكنها لم توظف لتغيير واقع الاقتصاد المتخلف والمشوه ولا إلى إزالة رثاثة المدن العراقية ولا غيَّر من بنية الهياكل الارتكازية المتخلفة مما أدى إلى تخلف شديد في تقديم الخدمات العامة للمجتمع كالكهرباء والماء والصحة والتعليم والنقل والاتصالات...الخ، وهي اليوم في أسوأ أحوالها.
  • لقد ناهضت الطغمة الحاكمة الفنون الإبداعية والثقافة الحرة وأدخلوا الشبيبة في أجواء من الفراغ القاتل وأجواء الحزن والبكاء الدائم والبطالة والعوز، إضافة إلى إشغالهم بما لا يمكنه التعويض عما تحتاجه الشبيبة العراقية التي تعرفت عبر وسائل الاتصال العالمية الحديثة لما تحقق للشبيبة في دول العالم الغربي وغيرها من تقدم حضاري وحياة آمنة ومليئة بالإنتاج لصالح مجتمعاتها وتقدمها.

 

 

 

 مجموعة العوامل الخارجية:

  • لقد خضع العراق بعد إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة للاحتلال الأمريكي المباشر ونتج عنه، بإصرار مقصود ومسبوق الصنع، إقامة نظام طائفي محاصصي، ومن ثم فاسد، أشاع الفرقة والتمييز والصراع في مجتمع متعدد القوميات والديانات والمذاهب والأفكار والاتجاهات السياسية. فكانت بداية الكارثة الفعلية للعراق وشعبه، بدلاً مما ادّعته الولايات المتحدة كذباً وخداعاً من نشر الحياة الحرة والديمقراطية في البلاد على أنقاض الدكتاتورية الفاشية للبعث. كما تم في فترة الاحتلال وضع الدستور العراقي المشوه وقانون الانتخابات سيء الصيت وكذا المفوضة المستقلة للانتخابات، وهي كلها عمقت الانقسام المجتمعي وفرضت المحاصصة الطائفية والأثنية في البلاد وما نجم عنها من عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع.
  • وقد فسح هذا الواقع المرير في المجال لولوج قوى الإرهاب الدولي إلى العراق تحت واجهات شتى، والتي كانت الولايات المتحدة تريد إبعاد تلك القوى عن ساحتها والساحات الأوربية بخوضها المعارك ضد هذه القوى في العراق بشكل خاص، وكان التنظيم الإرهابي الدولي للقاعدة، الذي بني أساساً بدعم من الولايات المتحدة والسعودية وباكستان في أفغانستان، ومن ثم بروز تنظيم داعش الأشد تطرفاً وإرهاباً، وهي كلها نتاجات القوى الإسلامية السياسية المتطرفة التي تشكلت بتعاون كبير وطويل بين وكالة المخابرات المركزية والدولة العربية الإسلامية المتطرفة. وكانت المعاناة كبيرة ومريرة والضحايا هائلة والخسائر فادحة.
  • من خلال هذا الواقع، وبسبب وجود قوى الإسلام السياسي الطائفية الشيعية في قيادة الدولة، سُهلَّ ومُكَّن لإيران الولوج الواسع النطاق والشامل في حياة العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والمذهبية والعسكرية والأمنية، بما خلق قناعة فعلية صادقة وراسخة لدى الشبيبة العراقية بأن العراق محتلٌ أو شبه مستعمرة لإيران وواجهتها في الصراع الدولي مع الولايات المتحدة ودول المنطقة، كما فسح في المجال لتدخل القوى الإقليمية الأخرى في الشأن العراقي، لاسيما سوريا وتركيا والسعودية وبعض دول الخليج.
  • إن الصراع الجاري بين إيران والولايات المتحدة قد انتقل بشكل واسع وعميق إلى الحياة اليومية للشعب العراقي، بسبب وجود النفوذ العسكري والسياسي الأمريكي من جهة،وقوة وسعة النفوذ السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي والاجتماعي والطائفي الإيراني من جهة ثانية، مما عرَّض العراق لمشكلات جديدة، بسبب وقوف قيادة الحكم الطائفية وأحزابها السياسية إلى جانب إيران في هذا الصراع.
  • تشير الكثير من المعلومات الموثقة إلى حصول الحكومة الإيرانية مبالغ طائلة من العملات الصعبة استنزفت من خزينة الدولة العراقية وعبر كبار المسؤولين الحكوميين والبنوك الأهلية الفاسدة ومزاد الدولار الرسمي والتهريب المستمر للعملة الصعبة إلى غيران. 

من كل هذا يتبين بأن شعب العراق يخضع لنظام سياسي طائفي محاصصي فاسد يعيد إنتاج نفسه في كل دورة انتخابية وتشكيل حكومة جديدة، ويعيد إنتاج وتعويق العلاقات والظواهر السلبية المشار إليها في أعلاه، مما جعل الشبيبة العراقية تعي بعمق وشمولية ما جرى ويجري في البلاد وأصبحت عاجزة تماماً عن تحمل كل ذلك فانفجر الغضب الشبابي في لحظة إشراقة وهاجة ليبدأ بمرحلة جديدة ونوعية من النواحي الفكرية والسياسية المستقلة والجديدة في مواجهةالنظام السياسي القائم والطغمة الحاكمة.

 

ثانياً: مطالب الانتفاضة الشبابية السلمية

إن الحالة الموصوفة في الفقرة الأولى بظواهرها الكارثية والمدمرة لحياة الإنسان العراقي، هي التي حددت للشبيبة العراقية المطالب الأساسية التي تجلتفي التظاهرات الشبابية السلمية في الأيام الأولى من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019، ومن ثم منذ الخامس والعشرين من الشهر نفسه حتى الآن. والتي تتلخص بما يلي:

  • التخلص من النظام السياسي الطائفي الفاسد ومن التبعية الكاملة لإيران. وهذا يعني إجراء تغيير جذري في الواقع المعاش سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وثقافياً وبيئياً، وما يرتبط بكل ذلك من تغييرات تشريعية ووضع قوانين جديدة تضمن إعادة الاعتبار لهوية المواطنة العراقية واحترام الهويات الفرعية، والعدالة الاجتماعية في توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي. ويتطلب هذا التغيير جملة من الإجراءات الأساسية، نشير إلى أهمها فيما يلي:
  • بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي تحت تعاظم الضغط الشعبي المتعاظم وسقوط المزيد من الشهداء والجرحى والمعوقين، يستوجب منطق الأحداث تشكيل حكومة وطنية مستقلة مؤقتة ذات كفاءات بصلاحيات واسعة ومن خبراء مستقلين يتسمون بالنزاهة في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس والقانون والثقافة تأخذ على عاتقها وضع عدة قوانين أساسية: قانون ديمقراطي جديد وحديث لانتخابات مجلس النواب، وقانون جديد لمفوضية الانتخابات العامة، وقانون جديد للأحزاب السياسية، وقانون جديد لمنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان.
  • وبعد الانتخابات العامة وتشكيل المجلس النيابي الجديد وانتخاب حكومة جديدة يتم وضع دستور جديد للجمهورية العراقية الاتحادية، أو إجراء تعديلات واسعة وأساسية على الدستور العراقي الراهن لتخليصه من طابعه الطائفي والجوانب غير الديمقراطية فيه، وتكريس فصل الدين عن الدولة والسياسة، ورفض تأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني أو طائفي، وتغيير بنية النظام السياسي لصالح دولة ديمقراطية فيدرالية حديثة تكرس الحريات العامة للمواطنات والمواطنين وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، ويستفتى به الشعب. إضافة إلى ذلك يقوم المجلس بوضع بقية القوانين المهمة، ومنها قانون العمل، وقانون الإعلام،وقانون الأحوال الشخصية، وقانوي الضمان الاجتماعي وحالات العجز والشيخوخة وقانون الصحة العامة.. الخ.
  • إطلاق سراح المعتقلين كافة الذين اعتقلوا بسبب مشاركتهم في الانتفاضة الشعبية والتحري عن السجون السرية لتحرير المعتقلين واعتقال المتسببين في ذلك ومحاكمة من أصدر الأوامر باستخدام العنف ضد المنتفضين وتكريم الضحايا وعائلاتهم، إضافة إلى متابعة قضايا المعتقلين السياسيين أو المتهمين بقضايا الإرهاب للتيقن من صحتها والإسراع بإنجازها.
  • مكافحة البطالة الواسعة والبطالة المقنعة من خلال الولوج الواسع في التنمية الاقتصادية، لاسيما القطاعات الإنتاجية وخدماتها والخدمات العامة، وفتح معاهد للدراسات الفنية والمهنية ومراكز للتدريب.
  • البدء الفوري بدراسة وضع القضاء العراقي (مجلس القضاء الأعلى) والمحكمة الاتحادية والادعاء العام، لتكريس استقلالية القضاء العراقي التي استبيحت من السلطتين التنفيذية والتشريعية.
  • البدء بمحاكمة كبار الفاسدين في الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث والمفوضيات والهيئات المستقلة. كما لا بد من وضع قانون "من أين لك هذا؟" من اجل استعادة أموال العراق المهربة والمسروقة ومطاردة السارقين أينما كانوا قانونياً.
  • البدء بمعالجة جادة ومسؤولة للمشكلات القائمة كافة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق بما يعزز التلاحم الأخوي والتضامن بين الشعبين وبقية القوميات، وكذلك معالجة العلاقة القانونية والإدارية والمالية بين الحكومة الاتحادية ومحافظات البلاد على وفق أسس اللامركزية.
  • جعل السلاح بيد الدولة فقط وتفكيك جميع الميليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي واستعادة أو مصادرة الأسلحة المشاعة في البلاد، ورفض وجود قوات أجنبية ممن ترفض الحكومة الجديدة المستقلة وجودهم في العراق، مع العمل لإنهاء كل أشكال الوجود والتدخل الأجنبي في العراق.
  • معالجة مشكلة الخدمات الأساسية للمجتمع وفئاته الكادحة والمهمشة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، لاسيما خدمات الكهرباء والماء الصالح للشرب والسكن والصحة والتعليم والنقل والاتصالات.
  • إعادة النظر بقانوني الخدمة المدنية ومجلس الخدمة الاتحادي العام وتفعيلهما وإزالة العيب عنهما وما نشأ عن ذلك.
  • انتهاج سياسة إقليمية ودولية تتميز بالاستقلالية وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى والاحترام والمنفعة المتبادلتين ورفض كل أشكال التدخل الخارجي في شؤون العراق الداخلية والخارجية. والطلب من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والهيئات الدولية لحقوق الإنسان التدخل لدعم المطالب العادلة والمشروعة للشعب العراقي المنتفض، ووضع حد لاستخدام العنف القاتل في مواجهة المتظاهرين.

ولا بد هنا من الإشارة على إن الشبيبة العراقية المنتفضة قد اختارت سبيل الانتفاضة السلمية لقناعتها التامة بما يلي:

** إن تجارب الدول المجاورة تشير إلى أن الفئات الحاكمة ترغب في تحول المظاهرات السلمية إلى العنف لتواجهها باستخدام كل أنواع الأسلحة لقمعها وشل حركة المنتفضين.

** إن التذمر الشعبي قد وصل إلى مرحلة متقدمة تمكن الشعب العراقي على فرض الحلول العادلة والمشروعة على الحكم القائم بالنضال السلمي، رغم توقع المنتفضين، وكما حصل فعلاً، إلى استخدام الدولة للسلاح وقتل المتظاهرين أو اعتقالهم.

** إن التظاهرات السلمية في مقدورها شل نسبي للقوى العسكرية للدولة العميقة ضد المتظاهرين، والتي استخدمت فعلاً في بغداد والناصرية والنجف، والتي أطلقت الدولة ذاتها عليهم بـ "الطرف الثالث"، وكأنها لا تعرف هوية هذا الطرف الدخيل والجرائم التي ارتكبها حتى الآن.

 

ثالثاً: موقف قوى النظام الطائفي الفاسد من تلك المطالب العادلة

بدلاً من الاستجابة العقلانية والفورية لمطالب الشعب الأساسية والعادلة في الفاتح من تشرين الأول/أكتوبر 2019 من جانب النخب الحاكمة وأحزابها السياسية، عمدت إلى المماطلة والتسويف والوعود الكاذبة من جهة، واستخدام العنف المفرط والرصاص الحي والرصاص الصوتي والغاز القاتل والغاز المسيل للدموع لقمع المتظاهرين بدم بارد من جهة أخرى، مما أدى إلى استشهاد 149 مناضلاً متظاهراً وجرح ما يقرب من 5000 متظاهراً في الأيام الأولى للانتفاضة الشبابية.

لقد أدرك المتظاهرون بأن الطغمة الحاكمة غير مستعدة للاستجابة إلى أي من المطالب العادلة للشبيبة والشعب، وأنها مستعدة لقتل المزيد من البشر بهدف البقاء في السلطة والتمتع بامتيازاتها ونهبها لموارد وخيرات العراق. فاتسعت الانتفاضة وازداد عدد المشاركين والمشاركات فيها وتنوعت أساليبها السلمية في مواجهة الرصاص الحي للقوات العسكرية الرسمية والميليشيات الطائفية المسلحة التابعة للدولة العميقة التي ترعاها قوى النظام السياسي الطائفي الفاسد.

لقد بدأت السلطات الثلاث، لاسيما رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب والحكومة، تماطل بما كان يفترض أن يتحقق من مطالب المنتفضين منذ اليوم الأول للتظاهرات، وأصرت على استخدام العنف المفرط ضد الشعب في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب بدم بارد واستخفاف مريع وعنجهية فارغة وذهنية فاشية مدمرة، مما أدى إلى سقوط المزيد من الشهداء؛ حيث تجاوز عددهم إلـ 500 شهيد وما يقرب من 20 ألف جريح ومعوق، عدا الآلاف من المعتقلين والمختطفين والمغيبين والمعذبين في المعتقلات العلنية والسرية للنظام وأجهزته القمعية غير الرسمية.وتقدم سراديب "بناية شهيد المحراب: في النجف خير دليل على ما تفعله قوى الدولة العميقة في المعتقلين هناك من تعذيب شرس بما فيه قلع العيون. وقوبل هذا التوجه الجهنمي للدولة القمعية والهشة بإصرار وصمود رائعين على سلمية التظاهرات من جانب شبيبة العراق وجماهير الشعب الواعية. إذ لم يستطع النظام بكل عدوانيته ودمويته قهر إرادة الشبيبة المقدامة، بل اتسعت لتضم الملايين من بنات وأبناء العراق ومن مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية.

بعد تنفيذ مجزرتين رهيبتين بحق أبناء الناصرية وأبناء النجف وسقوط ما يقرب من 80 شهيداً وأكثر من ألف جريح ومعوق خلال يومي 29 و30/11/2019 فقط، أجبر الحاكم المستبد بأمره وأمر طغمته الفاسدة واسياده في إيران، على تقديم استقالته المخزية، وكأنه لم يرتكب جرائم بشعة وشنيعة بحق الشعب العراقي وشبيبته الباسلة خلال الشهرين المنصرمين من جهة، ومصراً بعقل مغلق وجامد ودم بارد وبأسلوب خطابي استفزازي مثير، الاحتفاظ بنظام المحاصصة الطائفية الفاسد من جهة أخرى، مما يستحق إطلاق لقب "الجزار الخبيث" في العهد السياسي الطائفي الفاسد والمريض. وحين كلف عادل عبد المهدي بتصريف الأعمال توجهت قوى عميلة وعصابات منظمة للدولة العميقة بتوجيه نيران أسلحتها صوب المتظاهرين السلميين المتجمعين في ساحتي الخلاني والسنك وقتلوا بدم بارد وهمجية 24 متظاهراً من الشبيبة المقدامة وجرحوا وعوقوا أكثر من 120 متظاهراً دون أن تتحرك الأجهزة الأمنية بحكايتهم. ولا يخفى على الشعب المنتفض أساليب التنسيق بين قوى الدولة العميقة المجرمة ومسؤولي الدولة والنظام السياسي الطائفي الفاسد.

 

رابعاً: وجهة تطور الأحداث والمشاهد المحتملة لمستقبل العراق

إن استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لم تأت اختياراً رغم مرور شهرين على الانتفاضة الباسلة واتساع قاعد المشاركين فيها من فئات من مختلف فئات الشعب، بل عبَّرت عن مدى تشبث النخب الحاكمة بالنظام السياسي الطائفي الفاسد وعدم استعدادها للتسليم السريع بالأمر الواقع.وسبب ذلك يكن في كون ميزان القوى لا يزال في صالح قوى النخب الحاكمة التي تجسد قوى الثورة المضادة، إذ إنها لا تزال تمتلك السلطات الثلاث وتتحكم بها وبكل الأجهزة العسكرية والأمنية والقدرات المالية، وكذلك قوى الدولة العميقة بكل مكوناتها السياسية والعسكرية (الميليشيات المسلحة والمافيات الاقتصادية والاجتماعية والمنابر الدينية الطائفية التابعة لها)، إضافة إلى دور إيران المباشر في شؤون البلاد. ومع ذلك فأن ميزان القوى بدأ يهتز نسبياً ووجد تعبيره في هذه الاستقالة التي فتحت الطريق على عدة احتمالات يفترض متابعتها والإعداد لكل منها بما تتطلبه من عدة من جانب قوى الانتفاضة الشبابية والشعبية السلمية:

  1. احتمال يشير إلى إصرار النخب الحاكمة على مواجهة الانتفاضة الشعبية بالحديد والنار ومحاولة الاحتفاظ بالسلطة من خلال ترشيح رئس وزراء جديد من وسط الطغمة الحاكمة وتشكيل حكومة طائفية محاصصية فاسدة جديدة، واستخدام كل ما تملك من إمكانيات وأساليب الخديعة والتزوير، إضافة إلى دفع الميليشيات الطائفية المسلحة وقوى الدولة العميقة للصدام مع الجماهير المنتفضةسلمياً لقمعها وإطفاء شعلة الانتفاضة الوهاجة. لا يمكن إلغاء هذا الاحتمال الذي يعني بأن قوى الثورة المضادة وم يساندها خارج الحدود مصممة على عدم تسليم السلطة لقوى التغيير الجذري المنشود في البلاد. إنها تعمل على وفق منطق [[أخذناها بعد ما ننطيه، أشحد واحد يأخذها، هو ليش أكو واحد يكدر يأخذها]]!!!
  2. كما يمكن أن يُستكمل هذا الاحتمال للقوى الأكثر تطرفاً وعدوانية وتبعية، قوى الثورة المضادة، طلب مباشر بتدخل من قوى إيرانية موجودة أصلاً في العراق وقوى أخرى تتسلل إلى العراق يومياً لتثير معركة واسعة ضد المجتمع وإشعال حرب مدمرة مماثلة لما يعاني منها الشعب السوري منذ سنوات. إلا إن هذا الاحتمال يواجه صعوبة فعلية موضوعية لعدة أسباب هي: الاستعداد الكامل للشبيبة العراقية ومعها كل الشعب إلى مقاومة سلمية مظفرة بمثل هذا التدخل وبكل السبل المتوفرة أولاً، والوجود الفعلي للقوات الأمريكية في العراق على وفق الاتفاقية الأمنية بين البلدين ثانياً، ثم رفض الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية لمثل هذا التدخل العسكري ثالثاً، وأخيراً احتمال تحول فعلي لقوى الجيش وبقية صنوف القوات المسلحة إلى جانب الشعب ورفض التدخل العسكري بمختلف أشكاله في الشأن الداخلي للعراق ومقاومته رابعاً.

إن إصرار الحكم على الاحتمالين الأول وربما الثاني يعنياستمرار الانتفاضة الشعبية واتساعها وتصاعد مزاج الشعب الثوري، والذي سيقترن بسقوط المزيد من الشهداء والجرحى والمعوقين وهدر المزيد من الدماء والدموع وخسائر مالية وحضارية كبيرة. مع حقيقة أن النظام الطائفي الفاسد لا يستطيع حماية وجوده، إذ لم يعد قابلاً للحياة وسيسقط في النهاية تحت ثقل جرائمه وتبعيته وضغط الشارع العراقي. 

  1. أما الاحتمال الثالث فيمكن أن يتجلى بخضوع قسري للنخب الحاكمة لانتفاضة الشعب والبدء بتنفيذ مطالبه ابتداءً من موافقة مجلس النواب الفاسد على تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة ومؤقتة تمارس دورها بالتهيئة لانتخابات نيابية جديدة من خلال إنجازها للمهمات الأساسية الواردة في الفقرة الثانية من مطالب الانتفاضة التي تناط بها من قبل المنتفضين.وهذا الاحتمال سيجنب الشعب المزيد من الضحايا البشرية والخسائر المادية. ولكن عند اختيار هذا الطريق سيحتاج الشعب، لإرساء دعائم الأمن والسلام الخلاص من التركة الثقيلة لبقايا وإرث النظامين الدكتاتوري الشوفيني البعثي وإرث النظام السياسي الطائفي الفاسد وتطهير الدولة بسلطاتها الثلاث من رجس الفاسدين،إلى خوض نضالٍحثيث ودؤوب واستمرار انتفاضته المجيدة حتى تحقيق النصر.

إن المؤشرات التي تحت التصرف تشير إلى إن المرحلة القادمة، بخطواتها الكثيرة المطلوبة لإرساء دعائم دولة ديمقراطية حديثة ومستقلة ومجتمع مدني ديمقراطي يستند إلى عقد اجتماعي يعتمد في نهجه على اللوائح والمواثيق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والأهداف والمهمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، والتي سيكون تحقيقها أكثر تعقيداً وأكثر صعوبة من إزاحة النخب الفاسدة من سلطات الدولة الثلاث. إن المخاض الصعب للانتفاضة الشبابية والشعبية سيمنح الولادة الجديدة فرصة إرساء دعائم حياة آمنة وكريمة ومستقبل وضاء للمجتمع بأسره لاسيما شبيبة تلك الفئات الاجتماعية التي عانت الأمرين من الإذلال والفقر والبطالة والحرمان، كما كانت وقوداً للسياسات غير الوطنية والاستبداد والحروب الداخلية والخارجية، ومن ثم كانت الأدوات الفعلية لتحرير العراق من ذل الغزو والاجتياح والسبي والاغتصاب والقتل والنزوح العام والهجرة القسرية.

وتستوجب المرحلة الجديدة من قوى الانتفاضة الشعبية وكل القوى الديمقراطية المشاركة في الانتفاضة السعي لتحقيق ما يلي:

أولاً: العمل على كسب المزيد من فئات الشعب إلى ساحات النضال ودعم الانتفاضة الشبابية والشعبية. فالانتفاضة الحالية كسبت جماهير واسعة من شبيبة الفئات الكادحة والفقيرة والمعدمة والطلبة والمثقفين وجمهرة من العمال والكسبة وجماهير من أبناء العشائر وعدد متزايد من النساء، ولكن الانتفاضة لم تكسب إيها حتى الآن الفئات الوسطى (البرجوازية المتوسطة وشرائح من البرجوازية الصغيرة) من المجتمع، لاسيما في محافظات الوسط والجنوب وبغداد، بمن فيهم موظفو الدولة.

ثانياً: الأهمية القصوى للعمل الجاد لمزيد من عمليات التنوير والتوعية في صفوف المجتمع وبين المنتفضين من أجل كسب المزيد من بنات وأبناء المجتمع للانتفاضة بوعي ومسؤولية إزاء مصائر العراق الراهنة ومستقبل أجياله.

ثالثاً: إيلاء اهتمام خاص لهيكلية تنظيمية لقوى الانتفاضة أو الثورة الشبابية والشعبية التي تساعد على تحقيق ائتلاف القوى والشخصيات الفاعلة والمؤثرة في ساحة التحرير وبقية ساحات وشوارع العراق والجماهير المنتفضة وبين التنسيقيات القائمة لضمان وحدة الموقف إزاء مؤامرات ومناورات قوى الثورة المضادة الفاعلة حالياً وذات الموقف الموحد عملياً في مناهضتها لقوى الثورة. إن مثل هذا التنظيم لقوى الانتفاضة يسهم في بلورة وحدة الإرادة والعمل ووحدة الموقف إزاء أعداء الشعب. إذ يبدو لي وجود ضرورة ملحة بتشكيل تحالف اجتماعي مدني وديمقراطي واسع تلتقي عنده أهداف ومصالح الفئات الاجتماعية التي من مصلحتها تغيير النظام الطائفي الفاسد الراهن، وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة وإرساء أسس نظام سياسي واقتصادي واجتماعييستجيب لمصالح الشعب ويستثمر موارد البلاد الأولية والمالية في النهوض بعملية التنمية الاقتصادية والبشرية في خدمة الأجيال الراهنة والقادمة. إن في مقدور الانتفاضة فتح الأبواب مشرعة نحو حياة أفضل ومستقبل زاهر وسعيد لكل الشعب بقومياته وأتباع دياناته ومذاهبه العديدة واتجاهاته الفكرية والسياسية الديمقراطية واعتماد مبدأ المواطنة العراقية المشتركة والمتساوية..

رابعاً: السعي لبلورة وبروز قيادة شبابية للانتفاضة السلمية ومواصلة دورها في استمرار الانتفاضة وتعبئة القوى حولها بما يسهم في وحدة الإرادة والعمل بتوحيد القوى وسيرها الحثيث على طريق إنجاز المهمات وتحقيق النصر.