ئەمە بڵاوبكەوە
FaceBook  Twitter  

 

اعداد: عباس جميل جيماو

ترجمة الى العربية: جمعة الجباري

القسم الرابع

يتحدث الكاتب والمفكر سمكو محمد في هذا القسم من اللقاء عن مفهوم الاختلاف والنقد، ويرى ان الاختلاف يستند الى العقلانية لتفنيد الفكر الشمولي والكونكريتية، لذلك؛ فأية مجموعة او توجه يتقبل هذا المفهوم دون الاستناد الى العقلانية؛ عمره قصير.

 

سؤال: من اكبر المشكلات الانسانية، قلة الحوارات الفكرية حول أسس المفاهيم النقدية والاختلافات، ولا يملك الكثيرون هذا الفهم والوعي، لذلك؛ فانني اسألك في البداية: ماذا يعني مفهوم الاختلاف في رؤاكم، ولماذا يجب ان يوجد الاختلاف؟

سمكو محمد: ظهر مفهوم الاختلاف اساساً لتفنيد الفكر الشمولي والكونكريتية، وتم تنظيره على هذا الاساس، وكان شكلاً من اشكال الرد على مفهوم الحقيقة التي كان كل مذهب او اعتقاد ديني او فلسفي يدعو اليها، بمعنى انها كانت حرباً بين المنطق والفلسفة الكلاسيكية، بعد ذلك وباتساع الجدل الذي خلق شكاً لجميع المفاهيم و جعل مفهوم الحقيقة شيئاً هامشياً؛ لهذا لم يبقَ الضغط الذي وضعه على فلسفة الحياة، وحسب المكان والزمان فان النظم والسلطات والنصوص الدينية كان لها تاثيرها، فبقيت الحقيقة فقط في النظريات الفيزيائية والرياضياتية، وانقلبت هذه المفاهيم في الحياة اليومية، لهذا؛ ففي البداية حين تم تجربة مفهوم الاختلاف بدأ من عدم قبول الديانات لبعضها، كانت هذه تجربة مريرة، ومن هنا لم يبقِ مفهوم الاختلاف مثل الكونترول اية مصداقية لاي مفهوم اخر.

عندما جاء مارتن لوثر كينغ ودعا الى اللاعنف الديني وقبول الاخر، اصبح ذلك حداً للتوازن بين الكاثوليك والبروتستانت في الغرب، ولكن يجب ان نعلم انَّ الاختلاف في التفكير كان دائم الحضور، ثم اصبح اسلوباً في الاوساط الثقافية وتم اتباعه بين الاوساط الاعلامية، على سبيل المثال الصراعات التي كانت تدور بين الجهات المتضادة مثل الصراع بين اللاسلطويين وبين دعاة التغيير، ويعد ذلك قمة الاختلاف لو فرضنا ذلك بحسب كلام (ماري دوغلاس) في كتابها (الطهر والخطر) التي تتحدث فيه عن الامور التي هي في اساسها متضادة وغير متجانسة مع بعضها البعض، وليس الاشياء التي هي غير متجانسة في الطبيعة حسب مايراه الانسان.

نستطيع اعادة غالبية الاختلافات الى الحالات الاجتماعية، على سبيل المثال لو اخذنا الاختلافات بين الجماعات الاجتماعية العصية مثل الغجر و البوهيميين البعيدين عن تلك الفضاءات، ولو عاشوا جميعاً في كيان فكري واحد فلا قيمة لذلك، لان قيمة الاختلاف تتبين من خلال مستوى تقبل الحياة الاجتماعية والعرقية والقومية واللغة والثقافة والدين. وقبل ان يصبح اختلاف القبول في عالم الغرب شيئاً عادياً، كانت للمجاميع الاجتماعية العصية في الغرب وفي امريكا قوانين وتقاليد خاصة بها، وبعد ان وضعوا لانفسهم مستويات اجتماعية ثابتة واستقروا عليها، اصبحت التأثيرات السلبية في ساحة السلطات والانظمة الحكومية، وهم ايضاً كما الغجر في كل بقاع العالم يعيشون حسب عورفهم الخاصة وبذات الوتيرة يصمون اذانهم عن القوانين والانظمة ولايعترفون بتقييد الانسان بالقوانين الجاهزة، وربما يكون هذا هو السبب في عدم قبولهم بين المجاميع الاخرى وينظر اليهم بعين الريبة والغرابة.

على اية حال او ان اقول بصراحة، كان هذا المفهوم قد جاء مجددا من اجل انهاء الفكر الشمولي والكونكريتي، لهذا يستند الى العقل، ولو تقبلت اية مجموعة او اي مذهب من المذاهب هذا المفهوم خارج نطاق العقل؛ فلن تعيش طويلاً، وفي حال خلق اية مشكلة صغيرة سيلغى هذا الاختلاف.

يجب ان نعلم جيداً ان الاختلاف ليس له لا بداية ولا نهاية، ويرى الكاتب الماركسي الشهير (تيري ايغلتن) ان بعض الاشياء يجب ان يتم قبوله ويجب ان يكون مختلفاً حتى نستطيع نقله، وهذا من اجل اثبات اصالته، ولا تستطيع الاصالة اكتساب القوة دون ان تكون هناك نسخة اخرى امامها، ولهذا؛ فان الاختلاف هو طريقة اخرى للتحقيق ازاء شيء اخر مختلف عنه ويستقبل التدقيق الموضوعي له، اي انه بدون التدقيق في الاشياء لايمكن ان تثبت اركانه في عقول الكيانات المختلفة، وهذا من اجل ان يمهد لموضوع اخر، والدخول في عالم لا يجوز فيه تهميش اي ثقافة او كتابة او رأي واي شيء اخر بحجة الحقيقة من طرف فكري اخر.

إذن؛ الاختلاف هو ذلك الواقع الذي يريد اعادة الاعتبار للاخرين، وارى ان الاختلاف هو لعبة الحالات.

 

سؤال: لماذا اذن لم يصبح الاختلاف مادة لتطبيقها في الحياة الواقعية، ولماذا اخذ عنوان الاختلاف؟

سمكو محمد: ليس هناك اي مفهوم لم يصادف في بداية ظهوره اية معوقات، كون الفلسفة والفكر بحد ذاتهما مشكلتين، ومشكلة الاختلاف مثل اي مفهوم من المفاهيم الاخرى تم ممارسته بشكل سيء في ظل الميدان السياسي وظهور تيار العنف الارهابي؛ لهذا حتى ممارسته اخذت نظماً مختلفاً، والكتاب الذين ساندوا هذا التيار دون ذريعة قوية، بدل ان يجددوا انفسهم بشكل ايجابي ويقوموا بقبول الاخر، قاموا بعمل عكسي وضربوا هذا المفهوم ضربة قوية تحت مسميات مختلفة واراء مختلفة، وخلفت تاثيراً سلبياً بين الناس بشكل عام، مثل الاختلاف الذي يدعو اليه النظام الديمقراطي وجمعه في المنافسات السياسية، وهذا وهم وفي ذات الوقت لعبة سياسية. ومثال على ذلك ابتذال اراء المفكرين السابقين، وهكذا وقفوا في وجه كل المفاهيم الفكرية او من كان عاطلا عن العمل او نزوة شبابية لقراءة واستخدام الانترنيت واختلاف اراء دينية او من يساند طرفا من اطراف النظام والارهاب باسم الاختلاف وجعلوها سوقاً رائجاً لافكار ضيقة الافق وغير منطقية.

 شمل جزء من ظهور هذه الكارثة الثقافية غالبية المناطق على وجه الارض، وخاصة منطقة الشرق الاوسط، وكان القصد من ورائها عدم خلق الصراع الطبقي مرة اخرى مع التكنولوجيا عن طريق الفكر، ولكن ظهر العكس واعادوا الصراعات الى بداياتها وانبثقت مرة اخرى من صراع الاديان واللغات والقوميات. وكان ذلك الغاية الوحيدة لبلادة الانسان بشكل عام والانسان الشرقي بشكل خاص.

يتحدث المفكر الجيكي سلافوي جيجك في كتابه (تراجيدية في البداية هزلية في النهاية)  عن قبول الاختلاف، ويرى انه بعد ظهور مفهوم العولمة، كان اخطر مفهوم تمت الاستفادة منه بشكل خاطيء هو مفهوم حرية التفكير، حيث تم الشعور بذلك من خلال مساعٍ لابتذالها وتشجيع اشباه الكتاب للكتابة عنها، وانبثق عن هذه المسعى سوق كبيرة و رائجة اخرى في اماكن اخرى، وهي انتاج قراء متلهفون لتحصيل شهادات جامعية من القطاع الخاص، و ظهور اشباه كتاب لتصعيد سوق الاعلام الى ظهور الاعلام الالكتروني وتطوره في هذا العصر.

 

سؤال: انت من جانب تدافع عن هذا المفهوم ومن جانب آخر تشبهه باللعبة، هل هناك توازن فكري في ذلك؟ واذا كان هناك توازن، اذن لماذا لانستطيع ان نكون مختلفين؟ في حين كل الصراعات كانت من اجل اثبات الهوية الفكرية والقومية والدينية ..الخ، هل حقاً هذا كل الاختلافات؟

سمكو محمد: حسب الاراء المختلفة قمتُ بالاتيان بالحجج وحسب الاراء الفكرية قمتُ بكتابة التعليقات المناسبة، وحسب المستويات النقدية تحدثت وقلت اذا لم يكن هناك اختلاف؛ فلن يُقبلَ النقد ايضاً، لذلك يجب ان اتحدث عنها لنقد وفق تجريد هذاالمفهوم، أو اتحدث عن اختلافي الشخصي وفق حقي الفكري، لانني لست متوافقاً كلياً مع الذين جمعوا كل الاختلافات الجذرية من الاختلاف الفكري والديني والمذهبي تحت عناوين مختلفة، فهذا وهم، فهذا المفهوم اضافة الى ان له معان مختلفة واساساً تم تنضيره بسبب عدم القبول، فانني ارى ان الاختلاف هو اختلاف الطبقات فقط، وقد جاء النقد من اساس النظام، فلولا النظام لن يستطيع الفكر تقبل النقد.

وانَّ الاختلاف جميع الاديان والاقوام والثقافات واللغات  يحمل في طياته اختلافاً آخر هو الاختلاف الطبقي الذي يظهر من خلال الرفاهية الاجتماعية، خاصة في الحالات غير المستقرة، ولو نظرنا الى المسألة بشكل اخر، سنلاحظ انها تصبح صفصطة فكرية وعرض ثقافي، بمعنى اخر: لايعد ذلك اختلافاً لو ضيعنا الوقت عليه، هل كل الافكار والاديان والمذاهب والاراء الفلسفية ضرورية أم غير ضرورية؟ يشبه ذلك ان يضع شخصان قطرتي ماء في كوب ويتحدث كل منهما عن اختلاف قطرة مائه هذا النوع من الاختلاف هو تصور والاختلاف في شكل المسألة فقط وليس جوهرها.

الا يحق لنا ان نسأل ألا نحتاج كل هذه النصوص من الادب والفن...الخ؟ الجواب ايجابي و نعم، لان الاختلاف هو في الشكل والاسلوب والمنافسة هو ايضاً على ذات الشكل وليس الجوهر، ولكن عليناان نعلم ان هذه الاشياء هي نشاطات يومية ولها وجود واقعي، والشيء الذي لايسمح بمنحه الواقعية ويتم مواراته عن اعين الانسان، أو يغير مسار الحرب القائمة، هو نقد النظام و صراع الطبقات لثلة قليلة متسلطة عالمياً على الغالبيةالعظمى من الناس على وجه الارض، هذه هي اللاعدالة والاختلاف الجوهري الذي يتم التستر عليه، ومثال على ذلك: هناك الكثير من الناس ليسوا تابعين لمذهب او فكر أو فلسفة سياسية معينة، الا انهم يعلمون جيداً ان هناك ضلم وعدم المساواه، ويعرفون ان هناك مشكلة كبيرة للبقاء أو عدم البقاء في هذه الدنيا المصطنعة الوهمية، ويعرفون ايضاً انَّ هناك اختلاف  بقدر السماء والارض بين حياة الاثرياء والرأسماليين مع حياة الفقراء والمعدمين.

 

سؤال: نحن نرى اختلافاً آخر على الصعيد العالمي، وقد تركز هذا الاختلاف في العرق ولون البشرة...الخ، كيف ترى ذلك؟

سمكومحمد: تحدثت سابقاً عن تلك اختلافات الوهمية المصطنعة، والتي صنعتها النظام الرأسمالية وجعلتها واقعاً حتمياً، ولكن حين يُقتلُ زنجي من قبل شرطي عنصري ابيض في امريكا، انظر كيف تتحرك المشاعر الانسانية وتصبح القضية رأياً عاماً عالمياً وجميع الناس يقفون ضد الحدث دون التفكير في الاختلاف. أليس من حقنا ان نسأل لماذا لم تصبح القضية الكوردية و قضايا اخرى التى تشبه مسالة كردية، بكل اشكالها رأياً عالمياً؟ لماذا لم يجرِ عليها توحيد الاصوات لحد الان؟ في حين نرى تهميش هذا الاختلاف الطبقي باسم الاختلاف ويعرض قضايا ثانوية باسم ثقافات الشعور، وليس ذلك بسر، بل انه واضح لماذا تنصب شرذمة سياسية ـ كما يحبون ان يسموا بذلك ـ نفسها قادة على المجتمعات جميعها باسم الديمقراطية والتعاملات التجارية، في حين شرذمة قانونية ايضاً من القوميات والجماعات الدينية تنصب نفسها لسان حال الناس جميعاً دون انتخابهم، هذه الاسئلة بسيطة جداً ولكن لها عمق فكري، وحين يودون التحجج بالبراهين يصبحون دون وعي ماركسيا ويسارياً، كي يمنحون الشرعية لرعاية موضوع رومانسي سياسي، هذا اساس مشكلة المجتمع الذي يطلبه الانسان دون وعي من اجل رفاهية حياته، لذلك يغيرون خطابهم ويغلفونه بغطاء اخر ويتحدثون كدعات الدفاع عن حقوق الطبقات، وهكذا ينسون انهم حاملوا راية محاربة هذا الاختلاف القديم، تلك هي المشكلة الاساسية التي تسللت الى داخل الاختلاف، وهنا يكتشف الانسان المفارقة الفكرية ويفهم من تلك التكتيكات الفكرية ويعلم ما هو الهدف ولماذا يهمش تلك القضية المصيرية ويعرض امور اخرى باسم الاختلاف، ومن هنا تظهر العقلانية والفكر واستيعاب المفهوم، صحيح ان هذا الاختلاف ضروري للأديان والسياسيين والاراء ولكن بشرط ان لايهمش تلك القضية وتستعمل كغطاء فقط.

مفهوم الاختلاف تحليلٌ، يبرز من خلال التفكيكية، وبالنسبة لحضور المفارقة واهميتها في الموضوع،  نرى ان الاختلاف حول المفارقة هو مثل ان نكتب حرف A ونقرأه ولكن لعدم وجود توصيل او سماع؛ يخفت الصفات المكونة للعمل، ولايوجد في السياق، هذا بالنسبة للكتابة ومايدل عليها.

مع بداية ظهور التأسيسيين كان هدفهم الاوحد ضرب اختلاف الافكار الطبقية وقد ضربوا ضربتهم، ولكن بعد ذلك وعن طريق الجدل تم كبت المسألة وظهر ان هذا الاختلاف هو حقيقي اكثر مناي شيء اخر، على سبيل المثال تيار الفرانكفورتية ومناصريه اصبحوا منتشرين حتى في المجتمعات الشرقية ويحاربون الفكر الماركسي دون اية حجة مقنعة. في البداية كانوا يحاربون مفهوم التوحيد، التوحيد بكل معانيه، ثم ضرب الاحزاب والحركات العمالية والنقابات والمنظمات..الخ. وكان ذلك نتاج دنيا العلمانية والطريق الوحيد للتخلص من طوق العشيرة والعقائد الدينية والعادات الطاغية على الشعوب..الخ. ثم اصبح ضرباً في القيم الانسانية، ودام ذلك ربع قرن فقط، ثم عاد الوضع الى طبيعته عن طريق قراءة النصوص الاصيلة التي اثرت بشكل ايجابي واعادت الامور الى نصابها.

سؤال: هناك عالم اخر من الاختلاف في مستوى الغريزة، مثال على ذلك استخدام الجسد باسم الحرية، وهناك ظاهرة اصبحت عادية تسمى سيكسوالتي،  هل هذا اختلاف؟

سمكو محمد: جانب اخر من جوانب خلق غلاف للاختلاف هو مسألة الاخلاق، الاخلاق ونقصد به ضرب المقدسات التي يؤمن بها المجتمع بشكل عام، واقصد انه باسم الاختلاف جعلوا العملية الجنسية والمثلية كطرح اجتماعي وسايكولوجي جديد حقاً واسلوباً للانطولوجيا، في حين انَّ الانطولوجيا هو بروتوكول يسجله الانسان مع نفسه ويوجهه العقل، ولكن منح الشرعية اكثر من الظاهرة ذاتها، واصبحت اسلوباً للحياة باسم الحرية وفرض بشكل لاسلطوي كثقافة حياتية، الى درجة ان برلمان اوروبا والكنيسة اعترفا بها، اذ كان يساندها ويدعمها قوة سياسية واقتصادية، لقد رأيت ذلك بنفسي، وعملت عليها في اوروبا، وفي الحقيقة ليست هذه باختلاف، بل رغبة جنسية  شخصية في حرية الانسان باستخدام جسده حسب رغبته، ولكن اعطيت الظاهرة طابعاً عالمياً باسم الاختلاف، اختصار هذه الحالة من حدث مثل اي عمل ترغيبي اخر لم تمنح الخصوصية، بل جعلوها مجازفة اجتماعية، ورغم ذلك لم تستطع اجتياز الحدود الدولية وبقت منحصرة في الغرب، لان الثقافة لها الحكم القاطع على هذا الخطاب. في حين يرى سلافوي جيجك ان هذا الاختلاف يشعر به و يظهر فقط في أم مثلية زنجية وتشعر بآلام المثليين الزنوج فقط وهذه الحالة ليست طبيعية وشخصية فقط وليست لشخص اخر ابيض البشرة، لذلك ينتقد دولوز هذه المقارنة بشدة ويرى ان المساواة حالة ردفعل، باعتبار ان هذا اسلوب سرد قصة آلام جنس لجنس مثله، وليس الجنس الاخر، من هنا نفهم ان الاخلاق الموجود في كل الاشياء باسم الاختلاف اصبح موديلاً، ليس فقط غير صحيح بل عكسه هو الصحيح، وهذه الكارثة الكبرى القابعة خلف وهم الاختلاف،  واريد هنا ان اضيف لو ان هذه الظاهرة التي فرضت نفسها باسم حرية ممارسة الجسد الحقت ضرراً بالنظام، لم تكن تمنع فقط بل كان تسفك الدماء وتصدر بحقها قوانين صارمة، مثلما مسجل في الاديان قديماً، وقد اتبع ذلك مؤخراً في افغانستان وباكستان وبعض المناطق الاخرى، اذن الدعوة ليست طبيعية بل يقبع وراءها خطابٌ ودعمٌ سياسي وتجاري.

وحسب رأي (هانا ارينت) هى مفكرة من اصل البهودية المانية، التي كانت تحت تأثير هايدغر و والتر بنيامين، انَّ التعددية والاختلافات تقوي القدرات البشرية وتوفر كافة الاحتياجات الحياتية، من اظهار الهويات الدينية والاراء الى هوية العامل في فضاء الحرية. ورغم ان ذلك اتيح له مكاناً وموقعاً في عالم الرأسمالية حسب النظام؛ ولكن حسب حدود معينة، لانَّ الكفاح والعمل هما خاصيتي حياة ذلك الاختلاف المغطى بغطاء آخر، وكذلك فان النشاط والعمل المشترك مرتبطان بالارادة،والارادة هي ولادة قوة خفية وسط القوى الظاهرة.  لهذا؛ مثلما يقول فريدريك انجلس انَّه لو كانت الحرية بديلاً عن استخدام اغراض اخرى؛ فانها ستكون اسلوباً آخر للظهور، لانَّ الحقيقة التي ضيعتها الثورة طرحت الحياة الخاصة كبديل لثورة توفرها الافراد لنفسها بدلاً من الجماعات، يبدو ان هذه النشاطات والحريات ينظر اليهما كنقدٍ واختلاف في عالم مابعد الرأسمالية المعاصرة، لهذا دائما يركزون الضوء عليه، وهذا تعيين اخر لهوية الفردانية.

 

سؤال: بما ان قبول الاختلاف هو نتاج للوعي؛ اذن نحن لدينا تلك الفضاء داخل المعرفة بحيث يتقبل المثقفون والخبراء افكار الاخرين داخل جميع الكيانات، اذن لماذا لا نرى هذا الحوار وخاصة داخل كيان الادب؟

سمكومحمد: نقطة البداية في الاعتراف بالاخر يعني الاختلاف، هذا اذا كان قبول الاختلاف شيئاً عادياً، أو ثقيلاً على الفهم لانَّ بعض المرات لاتفهم الثقافات بعضها وتتعايش مع بعضها البعض، مثلما موجود في الهند وانعكس ذلك ايضاً في الغرب باسم المجتمع متعدد الثقافات.

بيد انَّ هذا جزء من العلاقات الاجتماعية والثقافية المختلفة، لذلك؛ ليس مهما كي نثبت اننا مختلفون مع بعضنا؛ نصرح بذلك ونقول اننا مختلفون أو نعلق على كل شيء، بل المهم ان نعرف كنه الاختلاف ونهتم به بحيث ينعكس ذلك دائما وابداً في عقول اجيالنا القادمة، حتى الاختلاف الذي يتحدثون عنه باسم اللغة اراه نوعاً من الخداع والتمويه.

لأجيبك على سؤالك حول اللغة، والسؤال يقول: لماذا اللغات الفرنسية والانكليزية والعربية هي لغات حية، واللغة الاوردية التي يتحدث بها اكثر من  مليار ونصف الاانها ليست اختلافاً حياً؟

إنَّ هذه القضية لاتختلف عن قضية الطبقية التي تقبلها العالم على مضض ويعيشون مع فضائها المصطنعة حيث مصير البشر جميعاً مرهون بيد مجموعة قليلة من البشر، وحين نتحدث عن هذا الاختلاف الرصين؛ يتهموننا بالشمولية و التقليدية وعدو الانسانية، ولاشك انَّهم يرومون من وراء ذلك تغطية الحقيقة وليس ابراز الاختلاف.

اتحدث هنا عن تلك الفضاء الخالية الموجودة في محافل الشرق الثقافية، في حين نحن اخذنا هذا المفهوم كاي مفهوم فلسفي و فكري آخر من عالم الغرب، لهذا؛ فنحن لم نتربَ على هذا النوع من التفكير، ولا نستطيع هضمه في هذا العمر خاصة وان المجتمع تظهر عليه الشيخوخة، وفي الحقيقة يمكن قبول مفهوم معين وهضمه وتقبله وتطبيقه بشرط ان يؤهل الانسان له مسبقاً حسب نظام معين، اتخذ الشرقي تلك الثقافة الجديدة فقط من ناحية الشكل، أما من الناحية الجوهرية فلا احد يملك تلك المباديء الاخلاقية التي فرضت على كل الكيانات ويعمل بها، واقصد بذلك ان تكون اخلاقيات يمكن الاحساس بها في الحياة اليومية ، ورغم ان المجتمع الشرقي متعدد اللغات والاديان والافكار واللهجات؛ الا اننا لانرى تلك التعددية في الغرب، بل هناك تعدد الثقافات، نحن لانرى هذه الاختلافات حتى ولو في الايصال والاتصال، على سبيل المثال: بماان كورد اللهجة الكرمانجية البادينية لا يفهم جيداً من كورد اللهجة الكرمانجية السورانية؛ لذلك يتحدثون فيما بينهم مرغمين بالعربية، ولايتواضع احدٌ منهما للاخر كي يمزج بين اللهجتين، وهذه المشكلة موجودة ايضا في العالم العربي ، مثل البلدان الافريقية والاسيوية.

لو تحدثنا عن مشكلة اللغة التي هي عبارة عن دال ومدلول، سأحتاج الى جميع الاشياء التي تنتج اللغة، واية لغة تنتج معانٍ قليلة؛ فهي لغة فقيرة، وسأشير بهذا الصدد الى جاك لاكان و فردناند دي سوسير اللذين لديهما نظريات عن اللغة، فهما يعتقدان ان اللغة هي عبارة عن صوت، ولو كتبتهذه اللغة فهي مثل كنز، ويعيدها سوسير الى كتاب (التورات) باعتبار ان بدايات اللغة تعود الى آدم وحواء حين تلفضا بها وسميا الاشياء بمسمياتها، اذن هذه هي اساسيات الاختلاف في اللغة، ويعيدها جاك لاكان الى الادراك، لكن الشرق في كل الاحوال لم يستفد من كلتا النظريتين.

على اية حال، المساحة التي اصبحت مكاناً للاستعراض وتحريف الخطاب المعرفي، بدل ان يعلن المثقفون معاني الاختلافات حسب المنطق في هامش المفهوم، ويعزلوا انفسهم عن طريق طرح ارائهم من بعض الاعلاميين عديمي الخبرة السياسية الذين اصبحوا ابواقاً للاثارات السياسية اللامعرفية، وبعض المرات جواسيساً بسبب قلة خبرتهم، على العكس يصبحون بعض المرات ودون وعي منهم داعمين لسياسة ضد سياسة اخرى عن طريق تصريحاتهم الاعلامية بسبب عدم ادراكهم لمفهوم الاختلاف في سياقات النص، هذه الحالة تمددت الى حدٍ اصبحت عدة منافذ ترويجية للمفهوم، فمرة تصبح تصعيداً للسوق السياسية وتثقيل كفة سياسية من القوى السياسية المتنافسة، ومرة اخرى تصبح داعمة لسياسة ضد سياسة اخرى، على سبيل المثال: غالبية الصحف تابعة للسياسيين، وايضاً المواد الصحافية التي تباع في الاسواق هي ملك للشركات التي تمثل السياسيين وهم يستفيدون منها.

حسب ملاحظات وتوجهات الكاتب العربي المعروف (زكي عليوي) نحس بان الاختلاف ليس له مكان اخر سوى كتابته في كتب منهجية، وبعكس ذلك فان ظهوره في امور اخرى عن طريق الاعلام وخاصة شاشات التلفزيون، بغية حث وتشجيع الناس بشكل مؤثر في الاختلافات السياسية والاجتماعية، وايضاً للمشاركة في تحديد مصيرهم وحصصهم القانونية دون خوف.

لاشك ان نشرهذا الوعي لايتم بالتشجيع فقط، بل يتم بالاتيان بالحجج والبراهين على ان يصبح النقد اسلوباً متبعاً، لانَّ النقد لايصبح عادة اجتماعية سائدة؛ الى ان يصبح قبول الاختلاف الجوهري مؤثراً في الجميع، لذلك فان المشكلات السياسية والاجتماعية المعقدة هي عبارة عن تلك الاختلافات الوهمية التي خلقها الاعلام.

 

سؤال: تحدثت عن عقدة اخرى للاختلاف وهي الاعلام، في الفترة السابقة استخدم الاعلام كصرحٍ  لفسح المجال للاختلافات المتشعبة، وراينا مانتج عن ذلك حيث لم يكن بمستوى وعي وادراك الناس وحتى السياسيين، هل حقاً ان هذا الصرح افسح المجال للاختلافات؟

سمكو محمد: في الحقيقة ان هذا المجال اصبح مكاناً لاستعراض النفس و تحريف الخطاب المعرفي، وبدل ان يقوم المثقفون ببيان معاني الاختلاف في هامش المفهوم وحسب منطقه؛ ويعزلون انفسهم من خلال ارائهم عن هذا النوع من الاعلاميين الذين اصبحوا اداتاً للاثارات السياسية،  وبعض المرات جواسيساً بسبب قلة خبرتهم، على العكس يصبحون بعض المرات ودون وعي منهم داعمين لسياسة ضد سياسة اخرى عن طريق تصريحاتهم الاعلامية بسبب عدم ادراكهم لمفهوم الاختلاف في سياقات النص، هذه الحالة تمددت الى حدٍ اصبحت عدة منافذ ترويجية للمفهوم، فمرة تصبح تصعيداً للسوق السياسية وتثقيل كفة سياسية من القوى السياسية المتنافسة، ومرة اخرى تصبح داعمة لسياسة ضد سياسة اخرى، على سبيل المثال: غالبية الصحف تابعة للسياسيين، وايضاً المواد الصحافية التي تباع في الاسواق هي ملك للشركات التي تمثل السياسيين وهم يستفيدون منها.

هناك اختلاف في الاعلام اصبح شائعاً، وهو الاستخدام الخاطيء للمساحة المخصصة للحروب، هذه المساحة قسم منها مكشوفة كما مبين في الخطابات وبشكل واضح في الاخبار واللقاءات، وقسم منها مخفي، لانَّ الحرب قد جُمِعَت كلها في سياسة سقيمة لاتظهر في النصوص، أو هي قوة خفية ضد قوة اخرى، في حين كان الاجدر ان يقود الاعلاميون هذا الحرب ويدعمهم المثقفون الجادّون، ولم يتم تهميش هذا و الهاء الناس عنه فقط ؛ بل تم اقناع الناس بشكل تام على ان حرب المجاميع الاجتماعية والحروب المعرفية والحرب القائمة بين مناصري الاصالة ومناصري الحداثة، وحرب الاسواق وحرب الطبقات كلها تصَغَّر في حرب سياسة محلية، وأصغر منها الحروب النفسية للاحزاب السياسية التي تم تعريفها كلها تحت تسمية الاختلاف.

هذا النوع من التشجيع للاعلاميين وتحويلهم الى نجوم وهمية للشاشة عن طريق خلق احداث مختلفة غير حقيقية؛ كان الغاية منه تحقيق عدة اهداف، احدُ هذه الاهداف هو ازالة الايمان بالنفس وبالحياة الطبيعية، وتحديد التمتع بالحياة بالنسبة لموضوع التعددية، وجعل البشر ينسى الحس الاخلاقي، ولاشك ان كل هذه الاهداف  قد تم تحقيقها.