ئەمە بڵاوبكەوە
FaceBook  Twitter  

 

اعداد: عباس جميل جيماو

ترجمة الى العربية: جمعة الجباري

القسم الاول

في كل لقاء من لقاءاتي مع الكاتب و المثقف سمكو محمد، احاول توجيه بعض الاسئلة اليه، ونخص كل لقاء بموضوع معين، على امل ان اجمع كلها بين دفتي كتاب في المستقبل، وهي احاديث عن مواضيع فكرية وادبية وثقافية.

لذلك؛ قمنا في هذا القسم من لقائنا به بتوجيهه اسئلة عن الحداثة ومابعد الحداثة، بغية اطلاع القارىء الكريم حول تلك المواضيع:

 

سؤال: بعد عصر التنوير جاءت الحداثة كفهوم، وهي عامل لكسر الكلاسيكية. لذلك؛ مازالت مسألة مطروحة، برأيك: ما الاسباب التي ادت الى ظهور هذا المفهوم؟

سمكو محمد: لنبدأ من حيث أنَّ الحداثة هي مفهوم سوسيولوجي، لانه يقف أمام اي تراث ويبتلعه، والغاية منها من حيث الشكل  هي لتحديث التراث والسياسة والهندسة العمرانية والادب والموسيقى وايجاد تقنيات حديثة، الى ان قوبل بالرفض في الوسط الفكري، حيث كان جان بورديار قائد حملة الرفض.

بيد انَّ الحداثة في بداية ظهورها، كان لها هدفاً آخر، ولكن استحالت في النهاية الى مفهوم عالمي لكل الاشياء ونجحت في مسعاها. ولكن ظهرت بعد ذلك المفاهيم المضادة له.

سؤال: حسناً، حين اصبحت الحداثة مفهوماً عالمياً، الى اي مدى استطاع المثقف الكوردي الاستفادة من هذا المفهوم، واين يجد نفسه فيها؟

سمكو محمد: لم تتم مناقشة هذا المفهوم في الاوساط الكوردية بنصف قدر ما ناقشته المجتمعات المعروفة بثقافاتها، ولكن السبب الذي يقف خلف هذا المفهوم وأهّلَ الارضية المناسبة لمناقشته بشكل جديِّ، هو ان الغاية من الحداثة هي مطلب عقلاني و تقدمي للمجتمع بشكل خاص، بيد ان الكورد مازالوا خارج نطاق التاريخ الذي ولَّدَ الحداثة.

سؤال: لنعد الى ذات السؤال السابق، وهو: برأيكم ما هي اسباب ظهور مفهوم الحداثة؟

سمكو محمد: حين اصبحت الحداثة تياراً فكرياً؛ بات لها دوراً مهماً في مجال السياسة والثقافة دون سواهما، وقادرة على تغيير العلاقات الاجتماعية حسب تغيير الظروف الحياتية، أو تغيير سلوكيات الانسان عن طريق اجهزة التكنولوجيا الحديثة، رغم انَّ بداياتها الراديكالية كانت غايتها مستقبلية، لذلك؛ فانَّ الحداثة هي كعملية لاتريد لها ان تتوقف أو تتوقف انطباعاتها.

(جون ستيوارت ميل) الذي يعد واضع مفهوم الليبرالية في السياسة، انتقدَ نظام ادارة الدولة، وخطى خطوة جديدة بالدولة المتقدمة والحديثة من الناحية السياسية، هذا التغيير اصبح فيما بعد موديلاً سياسيا، وهكذا؛ فالذي كان راسخاً في تاريخ الحياة الانسانية؛ تغير الى اساليب جديدة في استخدام مفاهيم الحرية والعقلانية أمام التعصب الديني والسياسي، و وسعت دائرة المفاهيم الايديولوجية اكثر..

انَّ المستقبلية في الفكر اصبحت احدى الابتكارات التي همَّشت المنطق الرومانسي ، واثبتت عملياً انها قادرة على وضع الاخر جانباً. وكان للمفهوم على الصعيد العالمي وقعاً على جميع المفاهيم وخاصة للتنامي التكنولوجي وصناعة السيارات و هندسة العمارة وكل المرافق الحياتية الاخرى، بيد انه بالنسبة للكورد لم يكن له وقع سوى في المجال الادبي فقط، فاستسلم اليه اللغة والتراث، فهُمِّشَ الادب الكلاسيكي والفن والتراث العتيق باكمله؛ بحجة انَّ الحداثة قد جاءت كتيار حيوي ويجب ان يكون للكورد قسطاً منه، بينما كانت الحداثة كبالون لم يظهر منه سوى ظاهرهُ ، أما باطنهُ فكان وحشياً بالنسبة للمجتمعات المقهورة، لانه قام بمحو وقتل تراثها، مثلما يشير اليه (الآن تورين) في كتابه نقد الحداثة.

تطور هذا المفهوم عالمياً في مجال الادب اكثر من غيره، فنستطيع رصَّ اسامٍ كثيرة لادباء مشهورين في هامش هذا المفهوم، وظهرت حركات فكرية مختلفة في مجال الفن.. اذن؛ توضَّحَ لنا الان لماذا ظهرت الحداثة واين استطاعت ان تخدم بشكل فعلي رغم كل عراقيلها ومشكلاتها.

حين كان النظام السياسي منيعاً عن التغيير، وكانت الحياة متوقفة في مكانها، والدين واساليب العبادات المختلفة في أوج عنفها محتلة الكنائس ودور العبادة لمرامه السياسي، حين لم يبقَ في مجال الادب والفكر متسعاً للحرية غير الايديولوجية الخانقة ؛ وقتها ظهرت الحداثة عن طريق نقد الحياة والكلاسيكية والانظمة العمرانية القديمة... الخ. وفككت كل النصوص المقدسة والمنيعة عن التغيير وقدمت البديل، رغم الانتقادات التي وجهت الى هذا البديل.

سبب آخر لظهور المفهوم سابقاً كان من اجل توحيد الدولة، التي اخذت مكانها حالياً الشركات العملاقة من الناحية الاقتصادية والسياسية، بمعنى ان الخطاب السياسي حسب مفهوم الحداثة له مستوى آخر، حيث منح الشرعية للملكية الخاصة بشكل من الاشكال، وافسحت السلطة البيروقراطية المجال لتوسيع الاقتصاد السياسي حيث اخذت ضمن الملكية الخاصة اطاراً آخر، ومن جانب اخر انتجت الفاشية المحلية تحت غطاء الايديولوجيا الدينية، وقد طغت على كافة المرافق الحياتية، كتيار للسلطة العصرية التي تطرد ازمات الدولة خارج نفسها، كقوة معرفية منقذة لكتلة الدولة السياسية، هذا الفضاء اخذ جذوره من اسبابه الاولية، بان اتخذت السياسة ظاهرة الحداثة بعين الاعتبار للاستفادة منها ثم تصديرها الى الدول الاوروبية، بالشروط السائدة آنذاك في المجالات المعرفية والتكنولوجية والسياسية والاجتماعية والتربوية وحتى الرياضية التي تم ربطها بالصناعة.

انتشر المفهوم بشكل غير مباشر واصبح اسلوباً حياتياً للفرد والمجتمع، لان التعامل معه من قبل خبراء انصار الدولة وحسب الاساليب المختلفة استطاع اللعب به بشكل ذكي في مجال التكنولوجيا والتقدم، لهذا لم يقدر ان يصبح مصدر تثقيف و وعي للفرد أو حرية التفكير، ولكنه استطاع اجبار الفرد لجذب انتباهه من انهيار الامور القديمة واستحداث امور جديدة والاهتمام بها، والا يكون مبهماً امام المعطيات الاخرى للمفهوم والتي يمكن رؤيتها في هامشه، اذ ظهر ان الشمولية كانت الهدف الوحيد لضرب الابداع والعبقرية، وهذا طرح من طروحات ميشيل مافيو الذي انتقد الحداثة.

سبب آخر من اسباب ظهور هذا المفهوم، حين اطمأنت الرأسمالية تماماً من تثبيت اركانها وتقويتها، أدعت ان الهدف من مفهوم الحداثة هو لانهاء القيم الاخلاقية وثورة ضد النظام الراسمالي وانهاء القيم الاجتماعية في الادب و السوسيولوجيا والفن ...الخ. بيد انه ظهر فيما بعد ان العكس هو الصحيح، وانه جاء من اجل تعبئة التراث الثوري وانه ثورة بيضاء تقاد بواسطة اللغة والتراث. ان هذا النظام كان خائفاً من ان يعود الانسان من جديد ويحاصره، أو على الاقل يضعف اركانه وتظهر آيديولوجيا جديدة مثل القطيعة مع الموديل التي ابتدعت للانسان دون اي اساس، ومثلما نراه الان، من ظهور المدن العصرية والكثافة السكانية الكبيرة والمؤلفة من انواع الالوان والعروق والاثنيات والاديان...الخ، وايضاً الاسواق الغريبة والحياة غير الطبيعية التي لم نرَ مثلها من قبل قد تنامت كل ذلك بسرعة مثل السحر، كل ذلك التوسع العمراني والحياتي  ادى ايضاً الى توسيع مخيلة الاديب، هذا التطور العمراني والمدني اختلف كثيراً عن مدن القرن 19، وكأنما كانوا على اعتقاد بانه حسب معايير التطور الجغرافي للمدينة، فانهم سيتركون خلفهم المدن القديمة والكلاسيكية، ليروا الحياة المادية وينعكس في ادبهم واقع سحري آخر، على سبيل المثال، كأشخاص مثل: (ستاندال، بلزاك، ديكنز، دستوفسكي و اليوت ..الخ). وهكذا لم تغير المدينة الحقيقية واقع الحياة الاجتماعية فقط؛ بل غيرت حتى طريقة التفكير واخذت حيِّزاً اكبر من خيال الاديب والفنان، كان هذا التاثير الايجابي مخاض تطور مفهوم الحداثة، الذي ولجَ الى الفكر بمسميات وتعابير مختلفة.

أمَّا الوجه الثاني له والذي هو وجهٌ سلبي و وصمة سوداء في جبينه، هو ولادة النازية والفاشية في المانيا وايطاليا، وبعد ذلك وفي الالف الثالث اسلوب آخر للسيطرة على الارادة البشرية، لانه اصبح مثار شؤم للبشرية في ذلك التاريخ، وبعد ذلك ومثلما نوهتُ سابقاً، ابتدع هذا التيار نفسه في البلدان العربية واصبح سوقاً سياسياً جديداً وصراعات مختلفة تحت مسمى القومية والمواطنة والحزب المناوء والمظلوم والظالم ..الخ، والذي ولَّدَ نماذج مثل صدام حسين الذي اصبح حجة لتفكيك كل القيم الانسانية.

سؤال: الايجابية هي بحد ذاتها ايضاً مفهوم آخر تم العمل به بشكل نظامي بعد ظهور الحداثة، لقد تطرقتم الى الجانب السلبي منه، فماذا تقولون لجانبه الايجابي؟

سمكو محمد: ليس هناك مفهوم مجرد بقدر ما هو فكر مطروح جديد يستفيد منه الانسان، ومثلما تطرقت اليه آنفاً، احد قادة هذا المفهوم هو جون ستيوارت ميل الذي ابتدع الفكر الليبرالي، ثم انتقده فوكو ونظر اليه كخيال دولة، لانه رأى كيف يتم التعامل مع المعرفة وكيف يتم التعامل مع مفهوم السلطة باسم العدالة، وكيف يتم التعامل مع الجنون والممارسة الجنسية وكل الرغبات الحياتية الاخرى تحت مختلف المسميات اللاانسانية، لذلك فان السلبية والايجابية لا تعنيان غربلة المفاهيم لتبتعد عنها السياسة والفكر، مثلما ينصحنا خبراء الصحة بان نبتعد عن الاطعمة المضرة للصحة، لو كان هذا صحيحاً؛ لكان يجب ان يبتعد كل المجاميع والنخب السياسية عن المكيافيلية، أو نبتعد على الاقل عن الديمقراطية الكاذبة التي ابتدعت عشرات المسميات للحياة الرغيدة والعدالة، حيث لم تكن سوى الخيال.

لذلك؛ فان غرس اي مفهوم في ذهن الجيل الذي يبحث عن المعرفة والسياسة، وخاصة الجيل الذي ترعرع بعد الالفية الثالثة؛ يعني تجذر ذلك المفهوم في ذهنه الى ان يجعله في حيز التطبيق والممارسة.

 أما بالنسبة للحداثة فانها وضعت مجموعة من المعاني والقيم المختلفة للفكر والسياسة والثقافة، حتى انها غيرت معنى الثورة وجعلتها مقياساً اخلاقياً، وحولت المعاني الوطنية الى مقاييس اقتصادية على اساس نظامي، هذه المقارنة غيرت خصوصية كل التطلعات العالمية السابقة التي كانت تنظر الى المفاهيم بشكل رومانسي، وافضل مثال على ذلك ما رأيناه من تغييرات في تونس وسوريا ومصر وليبيا، تحت مسمى الربيع العربي وسمي كذلك بثورة الفيس بوك، الا انها كانت نوعاً من السياسة الحديثة التي جعلت الايديولوجيا التطبيقية اداة لانتاج سياسة حديثة وكانت هي المستعمر الجديد، ومن الجوانب السلبية لهذا المفهوم، انه اصبح ايديولوجيا معرفية لمناصريه، وهمَّش التراث المتبع للقوميات، وبالتالي فانه خلقَ أزمة، لانه هدَّمَ كل الاشياء المقدسة، وايضاً فان هذا المفهوم ليس له لغة تخاطب أو تاريخ معين، وانما هو حدث و ظهور وتمثيل للاشياء الحاضرة، لذلك؛ لايمكن تسميته بالثورة على الكلاسيكية، وكانت ايامه معدودة داخل الدول ذات الاطر القومية، الى ان تكونت الدول ذات الكثافة السكانية الواسعة والمتنوعة والمجتمعات الصناعية بمعناها العام.

سؤال: ظهور اي مصطلح آخر بعد اي مفهوم متداول يعني عدم قبوله، سواء كمشروع او بادرة للبقاء في اطاره، هل بظهور مابعدالحداثة استطاعت الحداثة ان تفسح لنفسها مجالا في الاطار التاريخي؟

 

سمكو محمد: قبل التحدث عن مابعدالحداثة يجب علينا القول ان الحداثة قامت بواجبها في وقتها واثَّرَت على كافة الظواهر والاشياء الاخرى، وعايشت الحداثة جميع مفردات عصرها التي كانت عصر التفكر، لهذا طبقت نفسها وتم نقدها، اذن سيظهر مابعدها، ومابعد الحداثة هو تيار فكري عبارة عن ازاحة فكر عصر التنوير، وايضاً عودة دَور الاستعارة لجميع الكيانات، ومقياس للنوعية والعودة للطبيعة ..الخ.

ورغم ان مفهوم مابعد الحداثة كان قد انعكس في مجال الادب والثقافة الاسبانية بشكل عام في اعوام ستينات القرن المنصرم مثلما يقول آلان تورين، اي عن طريق القصائد التي كانت نقدا على الحداثة، بمعنى انه لايمكن ولايجوز ان تبقى الرأسمالية على حالها وتبقى على اساسياتها المتبعة، ويجب ان نعلم ان هذا الخطاب للمفهوم كان له دور حدي، مما ادى الى ان تأخذ التأثيرات السلبية ثلاثة اتجاهات،

الاول: اضاعة الوقت في علم الاجتماع.

ثانيا: تضعيف اليسار الماركسي.

ثالثاً: خلق ثقافة ضبابية ومعقدة لجميع الكيانات.

مع ظهور مفهوم مابعدالحداثة، حيث كان له تأثيره مثل اي بضاعة اخرى في سوق الثقافة والتراث العالمي، تبلورت ايضاً مناقشة اخرى، وهي: هل ان مابعد الحداثة مفهوم مستقل، أم هو تتمة للحداثة؟ علما ان هذا المفهوم تنامى جيداً في اللغة الانكليزية. (يورغن هابرماس) المفكر المعاصر يساند عالم النفس اليساري جاك لاكان، و وضع خريطة للفلسفة وهو اخر سلسلة لرحلة الفلسفة حيث قال: "ان مابعدالحداثة هو ذلك المفهوم الذي يتممُ عملية الحداثة، لان زمنهما يجري في ظل نظام واحد ولم يحدث تبادل في الانظمة، لذلك؛ فان مابعدالحداثة ليس فكرة مستقلة بجانب الحداثة، وليست له معنى خاص بذاته، مثلما فعلت الحداثة بان قدمت شكلاً آخر للحياة الادبية والفنية والسياسية، وانني لا ارى اي فلسفة من ورائها".

خلق الشرعية في المجال السياسي والفكري هو مشكلة اخرى امام رجم كل الاشياء المنتجة سابقاً، ولكن لوكانت الحجة السياسية والفكرية  في ذلك هي العودة للفكر الميتافيزيقي ومعاونة التفكر ربما كانت فيها شيء من الواقعية، وحسب ان المدعين لها ينوون التصدي للنتاجات الفكرية والادبية والفنية التي ظهرت في عصر الحداثة، ولكن ثبتَ ان مابعدالحداثة لايستطيع تفكيك الماضي وليس بمقدوره فعل ذلك، لان الفكر الانتقادي الذي انتجته الحداثة، ربما قادر فقط على انتقاد العقلية التي انتجت النظام العالمي الحالي، وبقدر ما الافكار التكنولوجية في خدمة الانسان، فان ايضاً ضد الانسان، في حال ان كل الاشياء التي اصبحت تراثاً في القرن الماضي، فانها عرضت كحركة لاتراثية، واخذ ذلك منبعه من ان جميع المضامين التي يُعمل بها للتفكير في المفاهيم الفكرية الاخرى، جزء من الاعمال المضادة للمفاهيم السابقة، لانَّ مصطلح (مابعد) هو بحد ذاته يعني النهاية، وهذه المحاولة في مجال الادب ايضاً عبارة عن عملية من تحويل الكلمة الى صورة ومن الخطاب الى نشاط، إذن؛ القوة التي تقف كحافز خلف المفهوم، هي قوةٌ الغاية منها تكسير الحافز المشترك، في حين انَّ الفكرة لم يتم التأكد منها أو البت فيها بانها مكملة للحداثة، فهي تعرض نفسها كحركة يسارية، خاصة بعد تنظير المفهوم من قبل (ليوتار) الذي عرَّفها بـ "موت الاساطير" وبعد هذا التعريف قام مناصرو ومساندو النظرية بالاقبال على الاشياء المحلية والاعتقاد بها والعمل على الاشكاليات المحلية.

على ايِّة حال، لو نظرنا الى هذه المفاهيم عبر المدخل الادبي، سنرى كيف انه تمت مناقشة الحداثة وتبعاتها، على سبيل المثال، فان (كافكا) احد اكبر الادباء الذي صور الانسان المعاصر في رواية (المحاكمة والمسخ) حيث الكل هم جزء من صراع ازلي بين الشخصيات المتخالفة ضد بعضها والتي خلقتها الظروف والاجواء، كذلك كان (فرناندو بيسوا) شاعراً وكاتباً يكتب لنفسه، وبعد مماته قام صديقه بطبع كتاباته التي كانت كلها انتقادات ضد تلك الحياة المفروضة على البشرية، في ظل نظام متسلط استحدثته الحداثة معها. وايضاً (بورخس) وعشرات الكتاب الاخرين، قاموا بسرد قصص الوحوش والمخلوقات الخيالية في مخيلاتهم، ولدينا في التراث الكوردي فنانون مثل (قالة مره ، حسين علي، احمد شمال، الشاعر اثيري، الشاعر شيخ رضا الطالباني، الشاعر جان دمو الكركوكي) هذا كله كان نقداً على عقلية العصر والحداثة، على اساس ان مابعد الحداثة سيشغل محلها، وهو كذلك فعلاً، لانَّ كل عصر له بطله الخاص به، لذلك؛ فان مابعد الحداثة يقتفي اثر ابطاله.

سؤال: اتخذت التنظيرات النقدية في النظام العالمي الجديد صورة اخرى، هل اثرت الحداثة في عملية انتاج العقلانية بشكل كامل؟

سمكو محمد: انَّ طبيعة ومنطق السوسيولوجيا يؤكدان على انه يصل الانسان الى مستوى تجعله منيعاً من ان يكون عبداً خاضعاً للنظام الجديد، ولايقتنع بالحقيقة المقترحة كواقع، لانها وهم وخيال سياسي، لانَّه ليس هناك افق من تلك الافاق الموضوعة كاختيارات للبشر وقدره آفاق مبشرة، على سبيل المثال فقد ظهرت للعيان ان التصنيع بمجتمع متعدد الثقافات والاديان والقوميات يولد العنصرية، ذلك السيناريو الذي يقوده الغرب لحماية مصالحه السياسية والتعددية الثقافية، وليس ذلك لاعقلانية في جميع مجالات الحياة فحسب؛ بل نزعت حتى الثقة من الحياة التي يحاول المرء العودة الى البساطة والخاكية.

انَّ انتقاد الايجابية، التي قادها عظماء مثل هابرماس الذي ياتي اسمه في مقدمة مفكري القرن العشرين، هذه النظرية تتطرق الى المعرفة وماحوليات الانسان عن طريق تصرفاته الشخصية، فهو ينظر الى نظرية علم المعرفة، والمعرفة، بذات النظرة.

 من هنا يتبين لنا انَّ الايجابية تقوم بتفتيت العقل وتجزء عالم الاجتماع، والعقلانية تضع الرهان في حضن الانسان نفسه، وكيف يتسنى له استعمالها فهذا يعود الى ضميره، لانَّ التجربة مثلما يقول (كانت) يحتل جزءاً كبيراً من متطلبات الحياة اليومية للانسان، وبدون التجربة لن يبقى هناك شىء باسم تطبيق النظرية العقلانية، وما يجري حالياً في عالم الادب والسياسة ويؤثر سلباً على جميع الكيانات الاخرى، هو مسألة العقلانية التي جعلت النفس الانسانية محور التجربة في جميع المجالات المختلفة، وهذا من اجل المصالح المختلفة، بحسب انَّ السياسة اصبحت المنظم لحياة الانسان وابتعاده عن الطبيعة.

ظهور التكنولوجيا وخاصة العسكرية منها والتي هي السوق الرائجة للسياسة وتحدث فيها تحديات مختلفة، قد اتخذت جميع السبل للتخلص من الازمات التي خلقها الانسان بنفسه واصبحت مشكلات له بذاته، من هنا نستطيع القول: صحيح ان العقلانية قد نمت في رحم الحداثة وتريد ان توجه الحياة بهذا الاتجاه، ولكن المرور بعملية الحداثة التي اصبحت قديمة الطراز، لايخلق ظاهرة تكون لها تأثير على الموروث السياسي ويكون لها اسلوب جديد اكثر من انتاجها لـ (ترامب) لقد انتجت العنصرية مرة اخرى التي طغت على امريكا والقارة الاوروبية، وما احداث الفترة الاخيرة الا دليل جيد على ذلك.

سؤال: هل نستطيع القول انَّ الحداثة كانت الموجة الاخيرة للتوعية الانسانية في عهده، أم مازالت مستمرة؟

سمكو محمد: مع انتهاء الحرب الباردة بين القطبين الامريكي والسوفياتي القديم، انتهى ايضاً عهد الحداثة، وما موجود حالياً هو بقايا تلك الحداثة بكل اوجهها، ويحاول النظام السياسي الحالي بكل قوته ان يضعف العلاقات الاجتماعية ويجددها داخل التقنيات الجديدة وهي الفيس بوك ويمنحها كهدية للانسان، في حين ان الشروط الصحية للانسان قد تم تنفيذها وتنظيمها من قبل النظام الجديد والرأسمالية المعاصرة، ولكن الشىء الوحيد الذي لايستطيع منحه للانسان هو انقاذه من الوحدة، التي مصيرها أما الجنون أو الانتحار أو الانتحار الجماعي أو الموت كشىء حتمي للحياة، والوحدانية كما قمت بتعريفه آنفاً كان نوعاً من قتل الطاقات، هذا هو سحر التطور التكنولوجي ومستخدميه والاعلان لصالحه في القنوات الاعلامية التي هي ايضاً جزء من ذلك النظام اللاأنساني، وهذا هو المصدر الكامل لجميع مشكلات الانسان، وخاصة نحس بهذا الفضاء في الغرب بشكل افضل، حيث الانسان اصبح عبداً لعمله وخدمة الشركات التي هي واجهة الشركات العملاقة ومن هناك اصبحوا كائنات اعلانية ومستخدمة واللاواعية داخل الميتروهات والترامات والباصات، هذه الحالة التي تعد من بقايا التطور الحداثوي، فهي كنظام سياسي واقتصادي تعد اكثر الحالات سلبية في التاريخ البشري، بحسب ان كامل الارادة السياسية متجمعة في تلطيخ الاصبع السبابة بحبر الانتخابات، وتجمع كل الارادة السياسية في بضع قوانين دستورية مصنعة، وتم تسليمها الى مجموعة مسمى بالسياسيين يتسوقون حسب هواهم بالمقادير الانسانية.

إذن؛ التيار الذي تتحدثون عنه، وتدعون بحداثويته، هو ايضاً ليس بمبشر خير للعيش الانساني الرغيد، بل هو تتمة للأرث السياسي القابع خلفه عقلية هدّامة للروح والضمير الانساني التي جعلت الاباء والامهات ضحية للتكنولوجيا والرياضة لابنائهم واحفادهم.. العقلية التي قبل ان تصبح سعادة للانسان كما يتحدث عنها العلم، اصبحت بعكسها خطراً لمقدَّرات الجميع.

حالة اخرى من نقد العقلانية، هي ان الانسان محملٌ بشتى اساليب الانتماء، لدرجة الانتماء الى المنتخبات الرياضية والتنس والتجهيزات المنتجة للشركات المالكة للماركات العالمية مثل ايسس و ايكو و بورن وغيرها، هذا التسويق الثقيل على كاهل الانسان استُمِدَّ من العقلانية التي تجزم ان على الانسان ان يستنبط الابداع من الاختراعات الماضية، أي تحريك العلاقة التي تركتها الغرب، ولايستطيع الشرق تركها لانها معقدة جداً، وفي كلتا الحالتين ظهر ان الانسان هو افضل وسائل الصراع بين الشركات التي تعمل عليها السياسة، ويجب علينا ان نعلم الايديولوجيا التي كانت سابقاً ذا معنى؛ اصبحت الان اشياء حية وملموسة، اي مشكلة التطبيق والاستعمال بين المجالات الاخرى، التي غيرت كل الاشكال القديمة للسياسة وانتجت محلها الفاشية والدكتاتورية، وبالتعريف الجديد الذي هو نتاج الرأسمالية المعاصرة، ومقابل ذلك انتجت قوى ومجاميع محلية جديدة، لايستطيع النقد اعاقتها بشكل واسع ويجعلها فكرة لفهم الانسان للاغراض التي كانت سابقاً تسمى بالايديولوجيا. لذلك؛ ظهرت ان العقلانية خلقت مشكلة اخرى هي عدم فهم المفاهيم التي تغيرت معانيها ولا يلحقها النقد.

سؤال: يبدو ان تجربة اخرى لمابعد الحداثة وضعت تأثيرها على جميع الكيانات، اذن؛ ما هو مصير الحداثة، وكيف يتم التعامل معها؟

سمكو محمد: في الحقيقة لست تحت تأثير افكار هابرماس كثيراً، ولكن بعض افكاره يتطرق الى ذهني واستخدمه واجزمُ بصحتهِ، على كل حال فان هابرماس يعتقد ان مابعدالحداثة هو تكملة لمشروع الحداثة، لانها جعلت العقلانية شائعة لكل عمل وقد ذكر ذلك في كتابه (للسياسة بالسياسة) ويذكر فيه ايضاً تشييء الانسان، حيث اضمحلال الطبقات وانعدام الفروقات بينها في الفضاء السياسي والثقافي، فضلاً عن وجود فروقات بين القدرات لاكتساب الرغبات ونيلها..

إنَّ تسلط السياسة في دول هامشية مثل بعض الدول في جزء من الغرب وآسيا، بعضه لتنظيم حياة الانسان حسب رغبات صاحب السعادة والسياسيين والتوازن بين القوى وغالباً يتحدث بمايسمى سوشيال ديمقراطيون عن الارادة كأدعاء لفضاء الحرية، وفي الحقيقة ان النظم بقدر ما هي خالقة الازمات لحياة الانسان، لم تخلق الحياة الرغيدة له.. انَّ انتقاد الحياة الاقتصادية الانية في الغرب، حيث الانسان اصبح جزءاً من السحر الذي خلقته الشركات، حتى في مجال الادب، حيث ان نوبل توزع كسحر ادبي على العلوم والاداب والسلام، ففي تلك اللحظات يفنى دور كل القدرات والمنطق والابداعات، لانها لاتمنح للكيانات الادبية والسياسية والعلمية حسب مقاييس قدراتية.. ساذكر لكم مثالاً واقعياً جداً، لايستطيع الكثيرون الا ان يؤيدوني، المثال الاول: لم يكن اوباما قد استلم الحكم الرئاسي بعد ولم يكن قد بدأ العمل بشكل تطبيقي؛ قامت النروج بمنحه جائزة نوبل للسلام، وبعد ذلك اتضح انه ليس رجلاً محباً للسلام وحدثت اكثر الحروب والاقتتالات في عهده، والغريب انه لم يقم احد بانتقاد ذلك سياسياً.

ومنحت جائزة نوبل للاداب عن القصة القصيرة لشخص يوغسلافي، بعد ذلك تم انتقاده بان قصصه وافكاره اضحل من تمنح جائزة نوبل.

والتاريخ يعيد نفسه، حين بقيت الجائزة بين البير كامو و نيكوس كازانتزاكي، كان حق الجائزة في صالح كازانتزاكي كما اعترف بذلك البير كامو بنفسه، بيد انَّ الجائزة منحت  لكامو. وفي الشرق ايضاً منحت الجائزة لنجيب محفوظ بدل محمود درويش، وبدل (يشار كمال) الذي كان يساند حركة اليسار منحت الجائزة لـ (اورهان باموك) الذي ساند موضوع التحيز القومي للاتراك والرأسمالية، يتحدث ماركيز في مقالٍ له عن زيارة لبورخيس الى لاوكوستو بينوشيت وهناك قدم خطاباً ضعيفاً قال فيه: "لست ذلك الشخص الذي يمنحه رئيس الارجنتين هذا الشرف، في حين هناك نضال في الارجنتين وجيلي و اوروغواي لنيل الحريات". حينها كان هناك كاتبان انكليزيان يسابقان بورخيس لنيل جائزة نوبل، ولكن بسبب اثارتهما لمشكلات لم ينالا الجائزة، ويقول ماركيز: ان السر في ذلك هو مكان الاستثمار لبول لم يكن مؤهلاً لذلك، وان الكثيرين كانوا يقولون ان الرأسمالية وظيفته لنيل الذهب والفضة في افريقيا، لهذا فان الجائزة كانت لامتصاص دم العبيد، والسرّ الاخر هو ان الحرب العالمية قد اقتربت طبولها على المسامع، لذلك فمن كان مناصراً لهتلر لم ينل الجائزة طوال استمرار الحرب، بعد ذلك منحت الى تشرشل لانه كان على علاقة واتصال مع الجامعات والاتحاد السوفياتي.. وفي عام 1958 كان يجب ان يتسلم الجائزة بوريس باسترناك كشاعر، ولكن بسبب ان لجائزة نوبل اعتبارات سوفياتية رفضها باسترناك واعتبرها استفزازاً له. ثم منحت لـ (ميخائيل شولوخوف) وفي مصر رفض (رجاء النقاش) ترشيحه لجائزة افضل كاتب عربي وقال انها تليق بـ (بهاء طاهر) ولكن بعد ذلك منحت الجائزة لـ (نبيل سعد اردش) لذلك؛ طالب الكتاب والمثقفين في تلك الفترة بعدم تدخل الدولة في هذا العمل، في حين قال الروائي ادريس علي صراحة: "منذ اكثر من ثلاثين سنة وانا احتاج الى جائزة تشجيعية، لان فوزي كان سيغير كل حياتي" وهذا افضل اعتراف من قبل كاتب مستحق بجائزة ولم يتسلمها، في حين هناك مقولة مفادها: "الكتاب غير المستحقين اصبحوا اكثر من الكتاب المستحقين بالجائزة".  

 هذه هي نوبل، التي اعتقد انها سحر فاضح، لانَّ السياسة تساندها، وليست تمنح بمقياس القدرات الشخصية او التقييمات الادبية، نحن لم نتحدث لحد الان عن تلك العقلانية التي لم تصل بالكامل  الى الان للمجتمع الشرقي والمنطقة، ولم نمارس بشكل كامل تجربة الوحدوية واضمحلال الطبقة الوسطى ومدى تاثيراته السلبية، ولم نعرف لحد الان ما تخلقه الوحدانية من مشكلات روحية ونفسية، وما تخلقه من أزمات عنيفة بحيث لن نلحق بتعداد الانتحارات..الخ.