
بقلم: ستار أحمد
رغم أن الكتابة في جوهرها عملية روحية وعلمية تهدف لتلاقي العقول وبناء الجسور بين البشر، إلا أن ما يحدث الآن في الوسط الأدبي والثقافي لهذه المدينة يثبت عكس هذه الحقيقة تماماً. نحن نعيش في عصر، وبدلاً من أن يكون فيه الكتاب مرشدين لبعضهم البعض وعوناً لحمل الهموم الكبرى، أصبحوا جداراً صامتاً في وجه بعضهم. تلك العلاقة التي كان يُفترض أن تقوم على تبادل الخبرات والنقد البناء، تركت مكانها لنوع من البرود والانقطاع الذي لا يليق أبداً بهيبة الكلمة. هذا الوضع لا يضر بالإبداع فحسب، بل يدفع بالبيئة العامة للمدينة نحو الجفاف الفكري وينتج جيلاً منقطعاً عن الواقع.
اليوم، خيّم ظاهرة "الفئوية" والعمل الجماعي الضيق (الغروبات) كالوباء على جسدنا الثقافي. لقد تحول الكتاب إلى جزر منعزلة، كل مجموعة لا تمجد إلا من هم داخل دائرتها، ولا تعير سمعاً للأصوات الخارجة عنها. وصل هذا الحال إلى مستوى انعدمت فيه حتى أبسط أنواع العلاقات الاجتماعية والأدبية بينهم. في عالم التكنولوجيا ومواقع التواصل، التي كان من المفترض أن تقرب المسافات، نرى كاتباً غير مستعد لتخصيص دقائق قليلة لقراءة نتاج زميل له في نفس المدينة، فقط لأن ذلك الشخص يقف خارج دائرة الصراعات والمصالح الخاصة. هذا النوع من التهميش هو نوع من "الإرهاب المعنوي"، حيث يقع المبدعون الحقيقيون ضحية للمصالح الضيقة ويبقون في الهامش.
هذه "الحزبية الثقافية" جعلت الإبداع يتراجع ليترك مكانه للمداهن والنفاق. عندما يكتب الكاتب لمجموعته الخاصة فقط وينتظر تصفيق أصدقائه فحسب، حينها يموت النقد ويتوقف النمو العقلي. والمثير للأسف العميق هو تلك "الازدواجية" التي تُرى في سلوك الكثير من هؤلاء؛ فنفس الأشخاص الذين يختارون صمتاً قاتلاً تجاه إبداعات أبناء مدينتهم، تراهم يظهرون أقصى درجات الاحترام واللين أمام كاتب من مدينة أخرى أو كاتب أجنبي، ويفتخرون بشخصيته ونتاجه. هذا نوع من الشعور بالدونية أو الاغتراب الثقافي الذي يظهر كجرح عميق في جسد هذه المدينة منذ سنوات، ولا أحد يحاول علاجه. يبدو أن شرط أن تكون مبدعاً لدى هؤلاء هو ألا تكون "هنا"، أو أن تكون موالياً لجهة محددة.
هذا الصراع لم يبقَ محصوراً في الدائرة الأدبية، بل انتقل إلى تفاصيل الحياة اليومية. الكتاب الذين كان يجب أن يكونوا رواداً للمصالحة وقبول الآخر، أصبحوا الآن في خنادق متواجهة. إنهم حتى في مواقع التواصل غير مستعدين لرؤية بعضهم أو كتابة كلمة تشجيع لجهود الآخر. هذا النوع من "المقاطعة الفكرية" يثبت أننا نعيش أزمة أخلاقية كبرى. عندما لا يملك القلم القدرة على رؤية الجمال لدى جاره، كيف يمكنه الحديث عن قيم الإنسانية للعالم؟ هذا الانقسام جعل القارئ أيضاً مشتتاً، لا يعرف من هو المبدع الحقيقي ومن الذي أصبح اسماً بارزاً فقط بدعم من مجموعته.
تراجع النقد وهيمنة العاطفة الشخصية على التقييمات الأدبية هو الخطر الأكبر على مستقبل الفكر والأدب في هذه المدينة. عندما يتحول الكاتب إلى "محامٍ" عن مجموعته، فإنه لن يعود قادراً على رؤية الحقائق. وهذا ما أدى إلى ترويج الأعمال الضعيفة والتافهة على أنها "روائع"، لمجرد أن كاتبها ينتمي لجهة معينة. وفي المقابل، يتم إهمال عشرات الأعمال الجميلة والرصينة لأن أصحابها لا يريدون الدخول تحت مظلة أي تكتل. هذا الوضع غير العادل دفع الكثير من الشباب الموهوبين إلى اليأس والعزلة، لأنهم يرون أن الوسط الثقافي لا يشجعهم بل ينظر إليهم كغرباء.
إن الصمت الذي يلف هذه المدينة منذ سنوات هو "تخدير قاتل". الكتاب الذين يصمتون في فيسبوك تجاه نتاجات بعضهم البعض، لكنهم يتحدثون في الندوات والاجتماعات عن العدالة والمساواة، يقدمون صورة مزيفة فقط. لقد حان الوقت، بدلاً من انتظار الأجانب ليعترفوا بقدراتنا، أن نضع أيدينا بأيدي بعض ونحتفي بجماليات بعضنا البعض. هذا هو الطريق الوحيد ليعود المسار الأدبي في هذه المدينة إلى طريقه الصحيح، ولكي لا يشعر المبدعون بالاغتراب في أرضهم بعد الآن. يجب أن تكون الأقلام مشاعلاً تنير دروب الآخرين، لا كائنات ترقص في الظلام لكسر وتحطيم بعضها.
نحن بحاجة إلى "ثورة بيضاء" داخل نفوس الكتاب أنفسهم، لكي لا ينظروا لبعضهم بعين الموالاة والفئوية. إن العوائق التي وضعت اليوم لا تفصل المبدعين عن بعضهم فحسب، بل تمنع وصول الحقيقة إلى القارئ أيضاً. ومن هنا نتساءل: ألم يحن الوقت لإنهاء هذه الحرب الباردة؟ أليست رسالة الأدب أسمى من مصالح المجموعات؟ إذا لم يكن الكتاب نموذجاً للتعايش، فمن الذي سيرفع شعار التقدم؟ هذا الوضع غير المرغوب فيه يتطلب وقفة حقيقية. يجب أن تتحول المؤسسات الثقافية والمجلات والصحف إلى ساحات لكل الأصوات المختلفة، وليس فقط لمن يسيرون مع تيارهم. بهذه الطريقة فقط يمكننا القول إننا نملك ثقافة حية تستحق الاحترام وتبقى كأصالة ونقاء للأجيال القادمة.