الدول المستوردة واشكالية الشرعية

(العراق نموذجاً)

كاوه محمود

مقدمة

الأزمة الموجودة في أغلبية دول غرب آسيا ليس مجرد أزمة نظام سياسي، بل أزمة بنيوية تتعلق بتكوّن الدولة نفسها. وبهذا الصدد يمكن طرح المقاربات التالية كاشكالية عبر عدة مستويات منها تاريخ التشكّل، البنية الاجتماعية، وظيفة الدولة.

في اشارة الى تاريخ نشوء الدولة في أوروبا، نشأت الدولة الحديثة فيها عبر تراكم اقتصادي داخلي، زصراع طبقي طويل، وتوحيد سوق قومي كضرورة لنمو الرأسمالية، وبناء بيروقراطية مركزية متدرجة.

أما في العراق، سوريا، لبنان، وحتى تركيا بعد سقوط الامبراطورية العثمانية، جرى فرض الهوية السياسية قبل انتاج الاندماج الاجتماعي بشكل فعلي وتم رسم الحدود قبل اكتمال السوق القومية.، اضافة الى عدم بلورة التصنيف الطبقي بالشكل الذي كان في التجربة الأوروبية، وبالتالي سبقت البيروقراطية السياسية المجتمع المدني.

وبالمنظور الذي يرى انشاء الأمم من خلال وجودها في اطار الدولة، تم انشاء الدولة في المنطقة بقرارات دولية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حسب فرضية (الدولة ـ الأمة) وليس (الامة ـ الدولة)، ولهذا سبق أن استخدمت في مقالات حول أزمة الدولة، مصطلح الدولة المستوردة لبنية الدولة العراقية كتوصيف سوسيولوجي لبنية لم تنضج تاريخياً من داخلها. وقد عبر فيصل الأول ملك العراق في مذكراته عن هذه الحالة في توصيفه لسكاني الدولة العراقية بتحشدات سكانية لا يمكن اخضاعا الا من خلال العسكر والسلاح.

أزمة الشرعية

لقد أنتجت هذه الحالة أزمة الشرعية البنيوية للدولة والتي تجسدت في ثلاث مسائل وثغرات أساسية: أولها تتعلق بهوية الدولة. فالدولة في الحالة العراقية تقوم على هيمنة قومية وطائفة محددة، بينما المجتمع متعدد قومياً ودينياً، ويمكن الحديث عن مجتمعات متعددة جرى اقحام اطار سياسي تسمى دولة عليها. وتتعلق المسألة الثانية بفجوة التمثيل السياسي، فالدولة في هذه المنطقة لا تعبّر عن جميع المكونات، بل عن قومية أو طائفة كبرى، أو تحالف نخبوي ضيق. أما المسألة الثالثة فتتعلق بفقدان الاندماج الاقتصادي من خلال التكافؤ والعدالة في توزيع الثروات وضمان التنمية المستدامة. فقد جرى اتباع اساليب القسر والاكراه والتهميش واستخدام اساليب معبرة عن المركزية البيروقراطية المفرطة التي تخدم مصالح القومية السائدة أو الطائفة المهيمنة.

لقد أرادت تلك الدول منها الدولة العراقية ان تكون الشرعية قائمة على استخدام قوة الجيش أو الميلشيات التابعة للقومية السائدة أو الطائفة المسيطرة وفق نماذج تاريخية منها الحرس القومي والجيش الشعبي والحشد، تزامناً مع سطوة الأجهزة الأمنية وأخيرا استخدام المحاصصة الطائفية بدلاً من الديمقراطية التوافيقة كما هو الحال في العراق. وهكذا فشلت السلطات في بناء صيغة تعايش ديمقراطي تعددي داخل هذه الدولة التي تتحولت الى جهاز ضبط وليس اطار تعاقد مبني على اساس عقد اجتماعي جامع. وقد ساهم الاقتصاد الريعي (النفط والريع الجيوسياسي) في تقليل الحاجة الى توحيد سوق اقتصادي موحد في اطار الدولة.

وقد تصورت السلطات الحاكمة في العراق سابقاً ولاتزال بأنها قوية أمنياً، ولديها الشرعية الدولية التي تشكلت بموجبها، دون أن تولي اهتماما بكونها دولة ضعيفة في النسيج الاجتماعي، وتضم ثلاث مجتمعات تملك خصوصياتها في قواها الاجتماعية ومستوى تطورها وتراثها وثقافتها وتطلعاتها المستقبلية.وقد أثبتت التطورات وخاصة خلال العقود الماضية بأنها ليست قوية أمنياً.

الحديث عن الفدرالية كخيار

بعد سقوط الديكتاتورية عام 2003 في العراق ظهرت أزمة الدولة في الواجهة، وعلى الرغم من ان القوى الكوردستانية بعد انتفاضة آذار 1991 والبرلمان الكوردستاني أقر من جانب واحد صيغة الفدرالية أي وجود اقليم كوردستان في عراق ديمقراطي فدرالي، الا ان المعارضة العراقية كانت تنظر الى طرح الفدرالية مشروعا لتقسيم العراق. كما ان القوى الديمقراطية التي كانت مع الخيار الفيدرالي لم تتعامل مع الحالة الموجودة في العراق كونها أزمة بنيوية للدولة وليست أزمة نظام سياسي فقط.

ولمعالجة أزمة الدولة بما يضمن السلم الاجتماعي والتعايش المشترك والتنمية المشتركة وتأسيس علاقة مستقبلية راسخة بين الشعوب، أرى أن الحل الأمثل كان يمكن أن يكون اعادة انتاج الدولة القومية وخيار الانفصال عبر ممارسة حق تقرير المصير للشعب الكوردستاني، وحل قضية المكونات القومية والثقافية عبر الارادة الحرة لتلك المكونات، غير ان الموازين المعقدة والمصالح الحيوية للقوى الاقليمية والدولية حالت دون تبني هذا الخيار الذي كان سينهي الأزمة جذرياً. وأصبحت الوجهة الرسمية هي الحديث عن إعادة تأسيس الدولة على قاعدة مواطنة تعددية عبر فيدرالية حقيقية، ولا مركزية عميقة، واعتراف دستوري بالقوميات.

لقد شهدت هذه المفردات منذ بداياتها صراعاً ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في طرح نموذج فدرالية المحافظات، واعتبرت النخب الحاكمة بدعم من ايران ذلك تهديداً لوحدة السلطة.

غير ان المرحلة الانتقالية من 2003 الى 2005 حيث اقرار الدستور و مابعدها لم تنجح من اكمال نقل أزمة الدولة من دولة قومية مركزية متصلبة إلى دولة تعددية.

فالعملية السياسية منذ بدايتها بدأت عرجاء بسبب الاخفاق في متن الدستور أولاً، وامكانية السلطة من تفسيرها لمصلحتها من خلال عائدية قوام الهيئات المناطة بتلك المهمة أي المحكمة الاتحادية لسلطة تسمى حكومة فدرالية، لكنها تتصرف وفق المركزية جاهدةً الى قضم كل ما يتعلق بمظاهر ممارسة اللامركزية والفدرالية.

ماذا كانت الحصيلة وما هي أسباب الانسداد السياسي

تدل تجربة السنوات من 2005 حيث أقر الدستور الفدرالي في العراق الى 2026 بأن الفدرالية لم تتحول الى عقد دستوري ملزم، بل بقيت ساحة صراع مفتوح بين المركز والإقليم نجم عنها تعثر الفدرالية، وقد يمكن القول بأن العملية السياسية المتعلقة ببنية الدولة العراقية قد دخلت في نفق مسدود.

ترجع حالة الانسداد السياسي الواضح في عدم القدرة على حل أزمة الدولة العراقية عبر خبار الفدرالية الى أسباب عديدة يمكن اجمالها بما يلي:

1ـ لم تنشأ الفدرالية في العراق كعقد مجتمعي نابع من ضرورة ايمان القوى المجتمعية المختلفة والتنوع القومي والطائفي الموجود في الدولة بخيار الفدرالية. فقد اعتبر الفدرالية مشروعاً مطروحاً من قبل الكورد بعد سقوط الديكتاتورية عام 2003، في وقت لم يحظ هذا المشروع بالقبول من تيارات قومية عربية سواء كانت سنية أوشيعية، ووجود تحفظ من قبل أطراف أخرى داخل تلك القوى. وقد أثرت الأجواء السياسية الناجمة عن الصراع الطائفي وانهيار الدكتاتورية وآثار الاحتلال، وظهور بدايات الارهاب على مجمل النقاشات التي جرت أثناء عملية اعادة بنية الدولة التي ساهمت فيها أساساً الاحتلال من جهة وايران كقوة اقليمية.

2ـ غياب الارادة السياسية للسلطة الجديدة المعبرة عن القومية والطائفة المهيمنة للالتزام بالفدرالية، واستغلال الثغرات الموجودة في الدستور، وعدم تطبيق المواد المقررة فيه حيث تحول النص الفدرالي الى ادارة فدرالية، وجرى التمسك بمركزية القرار السيادي وتجاوز النص الدستوري المتعلق به، والعمل على اصدار قرارات من المحكمة الاتحادية بذهنية المركزية في ادارة الصلاحيات والمركزية في ادارة النفط، اضافة الى بلورة دولة عميقة تستند الى البنية المركزية التاريخية للدولة.

3ـ تحولت ممارسة الفدرالية خلال السنوات الماضية من اطار لحل الازمة البنيوية للدولة الى ساحة صراع بين مركز وأقليم بسبب عدم وجود سردية شرعية مشتركة، مبنية على التوافق والتوازن والتشارك، وتأصيل اعتراف متبادل بين المكونات ضمن مؤسسات مستقلة وعبر ثقافة دستورية راسخة في ظل اقتصاد إنتاجي غير ريعي يحقق توزيع عادل للسلطة والثروة.

4ـ عمقت الاقتصاد الريعي من أزمة الفدرالية العراقية من خلال توسيع الصراع حول الصلاحيات السياسية الى الصراع حول توزيع الثروة وخاصة ان النفط هو المورد الاساسي. فالسيطرة على انتاج النفط والتوزيع جعل العلاقة بين السلطة الاتحادية والأقليم لاتزال في حالة شد وجذب بذهنية عدم تشريع قانون للنفط والغاز كوجهة مكملة لعدم تشريع القوانين المطلوبة الاخرى التي نص عليها الدستور ومنها قانون المحكمة الاتحدادية وقانون المجلس الاتحادي، اضافة الى عدم تطبيق مواد واضحة في الدستور منها المادة 140.

تقدم لنا مسألة تأخر صرف رواتب العاملين في اقليم كوردستان كل شهر واستلامهم للراتب بعد توزيع رواتب كل العاملين في بقية محافظات العراق، وفقدانهم رواتب أشهر في كل سنة بحجج واهية من قبل الحكومة الاتحادية مثالآ ساطعاً حول وجهة من يسيطر ومن يوزع بذهنية التسلط والمركزية المطلقة في ممارسة الصلاحيات السياسية والتحكم بذهنية المركز والاطراف.

5ـ تقدم حصيلة النقاط اعلاه حول اسباب الانسداد السياسي، وبالاشارة الى ملامح اللوحة المتعلقة بكون الاقتصاد ريعي، والإنتاج الصناعي ضعيف، وتأثير البرجوازية الوطنية محدودة، وان الطبقة العاملة غير متبلورة كقوة مستقلة ضاغطة، الصعوبات الرئيسية والوضوعية التي تواجه العمل من أجل الدولة التعددية الديمقراطية ، فاضافة الى العوائق السياسية، أنتجت الرأسمالية الريعية التابعة في العراق ضمن النظام العالمي، دولة مركزية زبائنية.

ماذا تقدم لنا حصيلة عقدين من تبني الفدرالية؟

تكشف ممارسات التجربة الفدرالية في العراق بأن وضوح النص الدستوري وعدم افساح المجال لتأويله أو تفسيره بذهنية القومية السائدة والطائفة المهيمنة أمر ضروري، مع الأخذ بنظر الاعتبار ان النص الدستوري وحده لا يكفي لأن ممارسة الفدرالية وتطبيقه تجري في بيئة سياسة ضمن التأثير المباشر للنزاعات والتوازنات الاقليمية ومصالح القوى العظمى واستراتيجياتها المتعلقة بأمنها القومي، وموقع العراق ضمن الشرق الأوسط في تلك الاستراتيجيات، اضافة الى الصراعات السياسية ذات الطابع القومي والطائفي والطبقي. ففي الحالة العراقية لاتوجد قوة اجتماعية حاملة للمشروع الديمقراطي الفدرالي كخيار لمعالجة الأزمة البنيوية للدولة، وفي خضم الصراعات الدولية والاقليمية والمحاصصات الطائفية وهيمنة القومية السائدة والطائفة الأكبر من الناحية العددية تدير القوى السياسية غالباً الدولة كغنيمة لا كعقد اجتماعي يضمن الاستقرار السياسي والأمني والتعايش المشترك والتقدم والتنمية.

ثمة اشكالية أخرى تكمن في تصور وتفائل بعض القوى الديمقراطية العراقية في امكانية تحقيق الفدرالية عبر مرحلة انتقال طويلة في وقت فقدت التجربة الحالية القدرة على دمج الشعوب داخل الدولة وامكانية تبلور الدولة التعددية، وفي وقت تؤثر القوى الإقليمية والدولية في مسارات التحول، حيث تتعامل راعي الفدرالية في الدستور الحالي، واقصد الولايات المتحدة الامريكية في استراتيجياتها الأمنية الحالية في نطاق الدول المركزية وتنظر الى شعوب ومكونات وقوميات المنطقة كقبائل تفرض شرعيتها من خلال القوة.

تشير كافة المعطيات الحالية واسترشاف المستقبل السياسي بأن لا أمل يرجى من تخطي حالة الانسداد السياسي عبر التعكز بالفدرالية التي أصبحت بالممارسة العملية، خطوات وتوجهات نحو المزيد من المركزية التي تحمي الدولة الغنائمية الحالية، ويبقى الحل الأمثل رغم مساعي القوى الدولية والاقليمية المؤثرة على الوضع السياسي في العراق ومحاولاتها لتقوية السلطات المركزية بهدف الحفاظ على بنية الكيانات القائمة حالياً، هو العودة الى الارادة المستقلة لشعوب المنطقة وحقها في تقرير المصير وحقها في اعادة تأسيس دولها القومية المستقلة.

 


 رێگای كوردستان ماڵپەڕێكی سیاسی، رۆشنبیری، گشتییە ئۆرگانی حزبی شیوعی كوردستانە، مەكتەبی راگەیاندنی ناوەندی بەڕێوەی دەبات

میدیا

   تەلەفۆن:   797 4635 750 964+

   ناونیشان:  هەولێر - گەرەکی ئازادی - نزیك نەخۆشخانەی نانەکەلی

   ئیمێل:  regaykurdistan@gmail.com

سۆسیال میدیا