بعد انتخابات برلمان إقليم كردستان والعراق ايضا، نواجه مرة اخرى أكثر المشاهد السياسية السابقة قتامة، والتي تتجلى في أزمة شاملة، وهيمنة مركزية اوليغارشية على مفاصل الحكم، ونهب وتبديد ثروات البلاد، وانتشار وباء الفساد، وتوسيع دائرة الفئات المهمشة، مع تصاعد اليأس في الفضاء العام. وضع يجري فيه احيانا تصنيع امل زائف، لكن بعد الانتخابات نعود مرة اخرى لمواجهة واقع لا يولد سوى مزيد من اليأس والاغتراب، دون الشعور بأي شيء آخر.
في هذا السياق، فإن فشل هذا النموذج الانتخابي في احداث التغيير له اسباب كثيرة، لكن لا يمكن اختزال التغيير في صناديق الاقتراع وحدها. هل نجلس وننتظر اربع سنوات اخرى؟
صندوق الاقتراع هو احد قنوات التغيير وليس كلها. الامر يشبه الطاحونة، ما تضعه فيها هو ما يخرج في النهاية. لا يمكن ان نضع الشعير وننتظر ان نحصل على طحين القمح.
المشهد السياسي بعد الانتخابات يشكل بالنسبة لقوى اليسار والتحرر والشيوعيين افضل ساحة للوصول الى الناس ومعالجة القضايا. اذا كانت الديمقراطية بالنسبة للقوى الليبرالية والمحافظة مجرد عودة كل اربع سنوات ولمدة دقائق ليستخدم الناس اصواتهم، فإن الديمقراطية الحقيقية بالنسبة للقوى التحررية تعني العودة اليومية الى الناس، والوجود الدائم بينهم ومن اجلهم، وليس شيئا آخر.
فهم الفارق بين هذين النموذجين يتطلب رؤية واضحة، ويتطلب ايضا اساليب وآليات مختلفة. اذا لم نتجاوز هذه النظرة الشكلية السائدة اليوم لمشاركة الناس في العملية السياسية، ولم نبتعد عنها، فلن نتمكن من بناء شيء مختلف.
مهام قوى اليسار
احدى المهام العاجلة التي نواجهها اليوم تتمثل في العمل المشترك على اساس تشخيص الازمات الداخلية، وتقديم مشاريع واقعية لمعالجتها، بعيدا عن عقلية تمركز الحزب والايديولوجيا الجامدة. وهذا يتطلب رؤية قادرة على قراءة الواقع كما هو، لا كما نريده ان يكون. ولهذا ينبغي التوجه نحو عمل منهجي فكري وعلمي في السياسة والاقتصاد، مع الاخذ بنظر الاعتبار البعدين النفسي والاجتماعي للبنية الروحية والمادية لهذا الوطن الذي نشأنا في احضانه.
قوى اليسار والتحرر والشيوعيون، بالتحالف مع القوى الاجتماعية والفئات المهمشة اليوم، يمكنهم من خلال عدد من الملفات الاساسية اعادة المعنى للسياسة. وذلك عبر ربطها مباشرة بالتغيير في حياة ومكان عمل عامل، او فلاح، او نساء وشباب، يواجهون يوميا سياسات القوى الليبرالية والمحافظة التي تدفعهم نحو جدار اليأس.
ما هو هذا الاطار الواقعي، وما هي آليات العمل المطلوبة؟ نترك ذلك لمقال الاسبوع القادم.