​ستار احمد

في الساحة السياسية العراقية الراهنة، برز نمط غريب من التفكير لا يمت بصلة لمبادئ الدولة أو قواعد التعايش المشترك. هذا الوضع ليس مجرد غياب واضح للعدالة، بل هو انعكاس لسلوك مزدوج يريد رؤية إقليم كوردستان مجرد "ممر مالي" وفي الوقت ذاته يتعامل معه كـ "هدف حربي". كيف يمكن لسلطة أن تستخدم الحصار الاقتصادي وقطع الرواتب كسلاح في وضح النهار، ثم تستهدف في الليل عبر الصواريخ والطائرات المسيرة البنى التحتية والمحطات الكهربائية والمصافي، وبعد ذلك كله، تطالب بكل برود بأن تكون تلك الأرض والممرات وسيلة لنقل الثروات الطبيعية لملء جيوب الجهات التي تشكل مصدر التهديد والرعب المستمر؟

​إن هذا الأسلوب في التعامل يمثل اختباراً كبيراً للضمير والمصداقية لكل الأصوات التي تنادي ليلاً ونهاراً بحماية الوطن ووحدة أراضيه. فحين يتعلق الأمر بالحقوق المالية وقوت شعب كوردستان، تصبح القوانين والقرارات فجأة عوائق، ويتم اللجوء إلى التخوين واتهامات التعاون مع الخارج. لكن، حين تتعرض المصالح المالية للمركز للخطر، تتحول تلك الأرض نفسها التي تتعرض للقصف إلى أرض مقدسة يجب أن تكون مسخرة بالكامل لتصدير النفط. هذا نوع من الاستغلال السياسي الذي يحصر الواجبات بالكورد فقط، بينما تذهب الحقوق للجهات التي تهدد استقرار المنطقة باستمرار. والسؤال هنا: من يقبل بهذه المهزلة؟ وكيف يمكن لجهة أن تبني "وطنيتها" على تجويع جزء آخر من مواطنيها؟

​هذا الضغط الشامل على كوردستان يحمل في طياته رسالة خطيرة: أن الطرف المقابل لا يهتم إلا بالثروات فوق الأرض وتحتها، وليس بحياة وكرامة الإنسان. فحين تُستهدف محطة كهرباء، لا يتضرر الاقتصاد فحسب، بل يغرق آلاف المواطنين في الظلام؛ ومع ذلك، فإن الجهة ذاتها التي تأمر بالقصف، تطالب بتصدير نفط كوردستان لتوفير رواتب أولئك الذين تضغط أصابعهم على زناد الصواريخ. أي نوع من الشراكة هذا؟ وفي أي قاموس سياسي أو إنساني يُجبر المرء على إطعام من يسعى لقطع رزقه؟

​إن ما يثير الأسف هو المحاولة المستمرة لتصوير كوردستان كضحية صامتة، لا تُعتبر "جزءاً من البلاد" إلا وقت الحاجة. إن المطالبة باستئناف تصدير النفط عبر أنابيب الإقليم، دون تأمين أبسط الحقوق لسكانها، لا يمكن تسميته إلا بـ "التبعية الاقتصادية" تحت غطاء القانون. لا يمكن توقع أن يسلم شعب كوردستان مفاتيح حياته وثرواته لجهة تعمل باستمرار على تقويض وئامه وتدمير منشآته المدنية. هذا التفكير يريد من الضحية أن تضع كل أدوات عيشها في خدمة من يحاصرها، وهذا ليس ظلماً فحسب، بل إهانة للكرامة السياسية والإنسانية لكل فرد في هذا الوطن. في الحقيقة، هذا صراع غير متكافئ تسعى فيه سلطة المركز لإضعاف خصومها بالسلاح، وتمويل نفسها بالنفط، في حين يصبح هذا الدخل ذاته مصدر قوة للمجاميع التي تعادي وجود الإقليم علانية.

​ختاماً، إن سياسة القصف والتجويع، تزامناً مع طلب التعاون واستغلال البنية التحتية، لن تؤدي إلا إلى تعميق الجروح وفقدان الثقة بين المكونات. لقد حان الوقت لتدرك الأطراف أن الوطنية لا تتحقق بالصواريخ والاتهامات، بل باحترام الحقوق الأساسية وحماية حياة جميع المواطنين دون تمييز. إن أي محاولة للتعامل مع كوردستان كـ "ممر نقل" فقط، وليس كمنطقة نابضة بالحياة والتاريخ، هي محاولة فاشلة تخدم فقط الأصوات المتطرفة التي لا تريد للعدالة أن تستقر في هذا البلد. ما يحدث الآن هو ظلم كبير لن ينساه التاريخ، وهو بحاجة إلى موقف وطني حقيقي لإنهاء هذا التعامل السيئ. فلا يمكن الصمت أكثر أمام هذا التناقض؛ لأن الحياة بين انهمار الصواريخ وهدير الأنابيب، هي حياة مليئة بالظلم لا يمكن لأي إنسان حر أن يتغاضى عنها.