
ستار احمد
يُقال إن اللغة مجرد جسدٍ للفكر، لكن الحقيقة أنها "روحٌ وقَدَر" يسوقنا إلى حيث لا ندري. أحياناً، تبدأ الحكاية بكلمة ناقصة، أو بـ "لحن" في غير موضعه، فتنكسر النفس في مرآة ذاتها. هذا الانكسار ليس ضعفاً، بل هو "الزلزال" الذي يشق الأرض لتخرج منها ينابيع الإبداع.
الحب الحقيقي لا يحتاج إلى فصاحة، بل إلى صدق في الصمت. فكم من صمتٍ كان أبلغ من ألف قصيدة، وكم من "مكان محجوز" في زوايا الذاكرة ظل شاغراً، تملؤه الوحشة ويحرسه الوفاء، رغم تعاقب الفصول واختلاف الدروب. إنها عزة النفس التي تجعل الإنسان يعتزل الحضور بجسده، ليحضر بروحه في محراب الكلمة.
عندما يتوضأ الشاعر بدموع التجربة، ويمسك قلمه ليخطّ ما لا يملكه، تنهمر المعاني كأنها وحيٌ غريب. لا يسأل الشاعر حينها: "ماذا أكتب؟"، بل يترك روحه تفيض بالحياة كما تفعل الفطرة في جوف الكائنات. الشعر هنا ليس ترفاً، بل هو "زفرة الارتياح" بعد مخاضٍ طويل، هو الضريبة التي ندفعها لنبقى أحياءً فوق أنقاض الخيبات.
إن كرامة الإنسان تكمن في حفظ لسانه حين يعجز الحرف عن بلوغ مقام الشعور، وفي وفائه لذاكرةٍ لم تشخْ أبداً، وفي قدرته على تحويل "العثرة اللغوية" إلى جسرٍ يعبر به نحو الأبدية. نحن لا نكتب لنشتهر، بل نكتب لنعتذر لتلك اللحظات التي خاننا فيها التعبير، فصار القلم هو لساننا، والورق هو وطننا البديل.
___