
بقلم: ستار أحمد
من أين بدأت رحلة التاريخ البشري..؟
حين نتحدث عن بدايات الحياة وإعادة إعمار الأرض بعد الطوفان العظيم، فإن كل الطرق والأدلة التاريخية تقودنا نحو القمم الشامخة لسلسلة جبال "زاغروس". فمن هنا، ومن هذه الأرض المقدسة، رست سفينة النبي نوح عليه السلام على جبل "جودي" في كوردستان. إن هذا ليس مجرد حدث تاريخي عابر، بل هو إعلان عن انطلاقة الحياة مجدداً على يد أمة تمتد جذورها في أعماق الأرض والمقدسات. والكرد، بوصفهم الوريث الحقيقي لهذا المركز، ليسوا مجرد أمة على هامش التاريخ، بل هم صُناع ركائز الحضارة وحملة أولى شرارات النور الإلهي إلى أرجاء المعمورة كافة.
إذا نظرنا بعين عقلانية وعميقة إلى تسلسل الأنبياء وقادة البشرية، سنرى أن لون وعبير "زاغروس" يتجلى فيهم جميعاً. فالنبي إبراهيم، الذي يُعرف بأبي الأنبياء، أبصر النور في "حران" التي هي (ماردين) في كوردستان اليوم. والنبي يونس حمل رسالة السلام والتوحيد من "الموصل"، واستمرت هذه السلسلة النورانية جيلاً بعد جيل كمنارٍ للبشرية. وحتى حين يُذكر أصل قبيلة "قريش" والنبي الأكرم (صلى الله عليه وسلم)، بوصفه من ذرية النبي إبراهيم، نجد أن جذور هذه القدسية تعود إلى أولئك الكرد الأصلاء في جبال زاغروس الذين هاجروا نحو الحجاز. هذه حقيقة لا تقبل الجدل، وتثبت أن الكرد لم يكونوا مجرد خدم للأديان، بل كانوا هم المنبع والمبلّغ للرسالات إلى شرق العالم وغربه.
إن أمةً تمتد أصولها وجذورها بهذا الشكل في صلب المقدسات، يستحيل أن تفنى. فنواميس الطبيعة والتاريخ تخبرنا أن كل شيء يعود في النهاية إلى أصله ومنبعه الرصين. لذا، فإن الاختبارات القاسية التي يمر بها الكرد اليوم يجب ألا تجعلنا نغفل عن هويتنا القومية أو قيمنا العليا. فالقومية والمقدسات لدى الكرد وجهان لعملة واحدة؛ قوميتنا الكردية وإيماننا يكملان بعضهما البعض، ويحفظان معاً مجدنا التاريخي والنفسي.
رسالة هذا المقال للجميع هي: نحن نسل نوح وإبراهيم وأولئك البشر الأوائل الذين نشروا أولى رسالات التوحيد والحضارة من كهوف ووديان زاغروس. الكرد هم مصدر الحياة، لأنهم جزء لا يتجزأ من تلك "الخطة الكبرى" التي وضعها الله لإعمار الأرض. إن الإيمان بهذه الجذور الموغلة في القدم هو أكبر طاقة لمواجهة أي عقبة. لسنا بحاجة لإثبات إنسانيتنا أو إيماننا عبر التوسل أو تقبيل أيدي الغرباء، فتاريخ زاغروس هو الشاهد الأكبر. إن عودة الكرد إلى المنبع هي عودة إلى المجد والرفعة، وهو استحقاق لتلك الأمة التي أنارت العالم أجمع.