
ستار أحمد
لقد كان تاريخ البشرية دائمًا ساحة صراع بين رؤيتين متناقضتين؛ رؤية ترى الوجود الإنساني كقوة مبدعة، وبنّاءة، ومنتجة، ورؤية أخرى تسعى، باسم القداسة، أو معرفة الله، أو الاختيار السماوي، إلى تحويل مجموعة من البشر إلى عبء وطفيلية على المجتمعات الأخرى. إن ذلك المنظور المشوه الذي يدعي: "نحن لم نُخلق للعمل والإبداع، بل يجب على العالم أن يخدمنا"، ليس مجرد سوء فهم عميق لفلسفة الوجود فحسب، بل هو إعلان حرب صامتة ضد كرامة الإنسانية وشرفها، وإهانة للعقل الذي تمايز به الإنسان عن سائر الكائنات الأخرى. هذا النوع من الرؤى العقيم يريد فصل مفهوم القداسة عن محتواه الأخلاقي وتحويله إلى أداة لتبرير الكسل، في وقت أثبت فيه تاريخ الحضارات أنه لم تصل أي أمة أو عقيدة إلى بر الأمان والاستمرار من خلال الصمت والاستلقاء تحت ظلال الأوهام.
إن الخالق الذي جعل اختلاف الألسن، والألوان, والثقافات، والوعي البشري آية من آيات كونه، لم يقسم البشرية قط إلى قطبين دائمين؛ يحكم فيهما طرف باسم الاستعلاء، بينما يكدح الطرف الآخر كعبيد ومبدعين لخدمة الآخرين. إن الاختلاف بين الشعوب والأمم هو دليل على غنى الحياة وتنوع مجالات الإبداع، وليس مبررًا للاضطهاد وفرض الذات. إن المعيار الوحيد والمطلق والعادل للكون لتقييم أي فرد أو مجتمع يتلخص في هذه المعادلة الإلهية: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). ومن هنا يتضح أن التقوى والتقرب بالمعنى الحقيقي يرتبطان في جوهرهما بإعمار الأرض، والإبداع، وتقديم الخير للجميع، وليس بالنوم تحت ظلال الكسل والعجز، لأن التقوى الحقيقية تعيش في ميدان العمل والعملانية، لا في العزلة والانفصال عن الواقع.
إنه لأمر يدعو للعجب والسخرية، أن تجد فئة عديمة الإنتاج، لا تستطيع حتى اختراع إبرة أو إيجاد بلسم لتخفيف آلام أمراضها، تعيش على نتاج عقول وعلوم وإبداعات الشعوب الأخرى، وتستفيد من تكنولوجيتها ومكتسباتها الحضارية، ومع ذلك تدعي الفضل، والإرشاد، والاستعلاء عليها، وترى نفسها وصية على الحقوق وترى الآخرين لا شيء! هذه هي قمة الانهيار الأخلاقي والفكري؛ أن يتباهى الإنسان الطفيلي بإنجازات تلك الأيادي المتعبة التي سهرت الليالي لتنير ظلمات العالم. هذا النوع من التفكير الرجعي شوّه تاريخ مسار القانون والأخلاق، وسُمح له بأن يصبح عبئًا على كاهل الآخرين. عندما تُعلم العقيدة أتباعها بأنهم أفضل من الآخرين لمجرد انتمائهم لتوجه معين، دون أن يذرفوا قطرة عرق واحدة في سبيل التقدم، فإن تلك العقيدة تتحول إلى مصنع لإنتاج العنف، والاحتلال، والكراهية ضد كل ما هو تطور وتجدد في العالم.
من هنا يبدأ الخطر الكبير؛ عندما يخلط البشر المفاهيم السامية بنزواتهم المريضة. إن أي شخص أو جماعة تظن أن معرفة الطريق الصحيح هي رخصة للكسل، وضوء أخضر لسفك الدماء، ونهب الأموال، وهتك أعراض الآخرين، فإنها لم تفهم الجوهر الأصيل للإنسانية والدين. إن معرفة الطريق الصحيح يجب أن تقود الإنسان نحو الوعي، والعدالة، وحماية حقوق جميع المكونات، لا نحو الوحشية واحتكار مكتسبات الشعوب الأخرى باسم القداسة. إن الدين أو الفكر الذي لا تتحول نتيجته العملية على الأرض إلى أخلاق رفيعة، وعدالة، وتسامح، والتدين الذي لا يكون نتاجه عملًا يحفظ كرامة الإنسان وقيمته، هو إيمان باطل، فارغ المحتوى، وخطير. هذه الرؤى العقيمة لا تساهم في نصرة الخير، بل هي العبء الأكبر والوصمة الأكثر خزيًا على الساحة الفكرية والإنسانية، وتغرق البشرية في مستنقع الجهل.
إن حضارة اليوم بُنيت على أكتاف أولئك الذين سهروا الليالي لاكتشاف دواء، أو اختراع آلة، أو كتابة نص فلسفي يجعل حياة الإنسان أسهل وأكثر إشراقًا، وليس على أكتاف أولئك الذين ملأوا التاريخ بالشعارات العفنة وصيحات تكفير المبدعين. إن الأمم والقوى الحية تُعرف بأعمالها وإنتاجها، وبالأثر الذي تتركه على الأرض لخدمة الحياة، لا بالخطاب الطفيلي الذي يريد تحويل جهود الآخرين إلى ملكية خاصة له. لقد حان الوقت ليستيقظ المجتمع من هذا النوم المرعب ومن هذا الوهم التاريخي، وأن يدرك أن العمل هو المعيار الأساسي للوجود، وأن أي فكرة –تحت أي مسمى كانت– تهين جهد الإنسان ونتاج عقله، تستحق أن تُرمى في مزبلة التاريخ وتُعامل كبقعة سوداء على ضمير الإنسانية. إن الوجود الحقيقي يكمن في الإبداع وصون الكرامة، وأي خطاب خارج هذا الإطار ليس سوى صدى محرق في صحراء قاحلة.
