​بقلم: ستار أحمد

​إن دور المرأة في تاريخ البشرية ليس مجرد حضور جندري عابر، بل هو المحرك الرئيسي لتطور الحضارة والركيزة الأساسية للحفاظ على توازن الحياة. فالمرأة في جوهرها كانت المعلم الأول ومبتكرة أساليب نجاة الإنسان من المجهول. ومنذ اللحظة التي خطت فيها البشرية خطواتها نحو الاستقرار، أصبحت المرأة رمزاً للطمأنينة والاستمرار.

​هذا الدور العظيم لم يقتصر على إطار الأسرة فحسب، بل امتد ليشمل كافة المجالات العميقة الأخرى كالعلوم، السياسة، الاقتصاد، والتربية. تُعرف المرأة بأنها نصف المجتمع، لكنها في الحقيقة ذلك النصف الذي يُنشئ النصف الآخر، يربيه، ويوجهه. وفي المجال التربوي، تبرز المرأة كالمدرسة الأولى؛ فعلى يديها تتعلم الأجيال القادمة القيم الإنسانية، وحب الوطن، ومكارم الأخلاق.

​وإذا ألقينا نظرة على تاريخ العلوم، سنجد أن النساء، رغم كل العوائق الاجتماعية، استطعن إحداث تغييرات هائلة في عالم الطب، الفلك، والتكنولوجيا، وقدمت ابتكاراتهن العلمية خدمة لا مثيل لها للبشرية. ومن جانب آخر، في ميدان العمل والاقتصاد، أثبتت المرأة امتلاكها لقدرات لا حدود لها؛ حيث أدت مشاركاتها الفعالة في المصانع، الشركات، والحقول الزراعية إلى إنعاش البنية الاقتصادية للدول. فالمرأة ليست مجرد مستهلك، بل هي منتج بارع، ودقتها ونشاطها في تنفيذ المهام محط أنظار العالم.

​وفي مجالات السياسة والإدارة، سجل التاريخ أسماء العديد من القائدات اللواتي أنقذن بلادهن من أزمات كبرى بفضل حِكمتهن، وكانت قراراتهن المصيرية علامة على رؤية واضحة وثاقبة. المرأة في وقت الحرب وطنية صابرة، وفي وقت السلم هي صانعة الوئام والتعايش. ولا يقل تأثيرها في مجالات الأدب والفنون عن المجالات الأخرى، فقد منحت أحاسيسها المرهفة ورؤيتها المختلفة للحياة صبغة جمالية للأدب، وكتاباتها تعبير عن الآلام والآمال البشرية، ولوحاتها انعكاس لروح الإنسانية الطاهرة.

​في الواقع، إن أي مجتمع لا يحترم مكانة المرأة لا يمكنه التقدم نحو الأمام، لأن التنمية الحقيقية تتطلب دمج كل الطاقات. إن حرية المرأة ونيل حقوقها ليس مجرد مطلب فئوي، بل هو ضرورة إنسانية لتحقيق العدالة. عالمٌ بلا امرأة كأرضٍ بلا روح، فكل جماليات الحياة تجتمع في وجودها. تلك القوة الكامنة في أعماق المرأة هي قوة بناة لا هدم؛ فهي بهدوئها توقف الحروب، وبحنانها تضمد الجراح، وبفكرها العلمي تنير الدروب المظلمة.

​يجب على كل فرد في المجتمع إدراك هذه الحقيقة وإزالة العقبات من طريق تقدم النساء، لأن نجاح المرأة يعني نجاح الأسرة، نجاح الأمة، ونجاح البشرية جمعاء. وفي الختام، يمكننا القول إن دور المرأة في الحياة ليس مجرد وظيفة محددة، بل هي ذلك الجوهر المتلألئ الذي يضيء كل جوانب الحياة، ومن دونها لا يبقى معنى للاستمرار. المرأة هي جذور غابة الحياة، وهي أيضاً الأغصان الخضراء لأفق المستقبل. يجب أن يُكتب هذا الدور التاريخي بكل إجلال، وأن يُهتم به في كافة الأوساط لكي يصبح العالم مكاناً أفضل للعيش.

​ولفهم أعمق لهذا الموضوع، يجب أن ننظر إلى المراحل الصعبة من التاريخ؛ فحين واجهت البشرية خطر الفناء، استطاعت المرأة دائماً بحكمتها ورزانتها حماية الأسر من التفكك، وهذا نوع من القيادة الصامتة التي يفوق تأثيرها أي قرار سياسي. وفي الحقول، لم تكن المرأة مجرد سند، بل كانت مبتكرة الأساليب البدائية للزراعة، وكانت هذه أول خطوة في تحول حياة الإنسان من الصيد إلى الاستقرار.

​وفي العصر الحديث، أثبتت النساء في مراكز القرار الدولية امتلاكهن لرؤية أكثر إنسانية في حل المشكلات، حماية البيئة، محاربة الفقر، وتوفير الصحة للجميع. هذه هي المجالات التي تألقت فيها المرأة، لأن غريزة الأمومة وحماية الحياة لديها ليست لأطفالها فقط، بل للعالم أجمع. ويؤكد علماء الاجتماع أن مستوى تقدم أي شعب يُقاس بمكانة المرأة في ذلك المجتمع؛ فكلما كانت المرأة أكثر حرية وتعلماً، خطا ذلك المجتمع نحو الرفاهية والسلام بشكل أكبر.

​لا يمكن الحديث عن الديمقراطية دون مشاركة حقيقية للنساء في الشؤون العامة، لأن الديمقراطية بدون نصف المجتمع هي مجرد شعار فارغ. تعمل النساء في مجال القضاء بضمير حي، وفي الإعلام هنّ الصوت الجريء للشعب والمظلومين، وفي الرياضة يرفعن أعلام بلادهن في المحافل الدولية. هذا التنوع في الأنشطة دليل على أنه لا توجد حدود لقدرات المرأة سوى تلك الحدود التي وضعها المجتمع خطأً.

​يجب إعادة صياغة الأنظمة التربوية والقانونية في الدول بشكل يحمي كرامة المرأة وحقوقها المادية والمعنوية، لأن تمكين المرأة يعني تقوية المجتمع أمام تحديات العصر. فأينما وجدت المرأة، استمرت الحياة ونما الأمل. لذا، فإن واجب الجميع هو الحفاظ على هذه المكانة المقدسة وتطويرها. وبالتعمق في رؤية المرأة للعالم، نفهم أن هناك اختلافاً جوهرياً في أسلوب معالجة الأزمات؛ فالنساء يملن أكثر نحو الحوار والتفاهم بدلاً من العنف، وهذه الميزة يمكن أن تنهي الكثير من الصراعات الدموية في العالم إذا أتيحت لهن الفرصة الكاملة في قيادة عمليات السلام.

​من الناحية الاجتماعية، المرأة هي بداية التغيير؛ فعندما تصبح المرأة واعية، لا تنقذ نفسها فقط، بل تقود كل من حولها نحو النور. وفي عالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي اليوم، تلعب النساء دوراً رئيسياً في ضمان سير هذه التطورات في مسار أخلاقي لا يدمر البشرية. وابتكاراتهن في علوم الجينات، الفضاء، والطاقة النظيفة، دليل على أن المرأة يمكنها تحقيق نجاحات باهرة في أكثر العلوم تعقيداً.

​إن الإيمان بقدرة المرأة ليس مجرد ضرورة ثقافية، بل هو ضرورة اقتصادية لكي لا يُحرم سوق العمل من مهارات نصف السكان. إن تجاهل المرأة في أي مجال يعني تعطيل نصف عقل وذراع المجتمع. لذا، يجب تحرير العالم من تلك النظرة الكلاسيكية التي تحصر مهام المرأة في إطار ضيق. المرأة ثائرة في ميدان الحرية، ممرضة في وقت المرض، مهندسة في وقت الإعمار، ومحامية في وقت الظلم. هذا التعدد في الأبعاد هو ما جعل الحياة بجميع اختلافاتها تبقى جميلة.

​حين نتحدث عن المرأة، نتحدث عن مصدر الوجود، عن ذلك الصمود الذي لا مثيل له والذي تحمل كل آلام التاريخ ولا يزال ينظر إلى المستقبل بابتسامة. هذه هي الطاقة المقدسة التي يجب على كل مجتمع التعامل معها بكل احترام وتقدير. المرأة هي حارسة الثقافة واللغة أيضاً؛ فاللغة التي تتحدث بها الأم تصبح هوية للأمة، والقصص التي ترويها لأطفالها تصبح أساساً لخيال وتفكير الأجيال. لذا، فإن أي تغيير في العالم يجب أن يبدأ من قلب وعقل المرأة ليصل إلى قمة النجاح. إن العالم مدين لجهود ملايين النساء الصامتة اللواتي يحافظن على توازن هذا الكون دون ضجيج. لنعمل معاً لكي لا تُحرم أي فتاة من التعليم، ولا تُسلب أي امرأة فرصة عمل بسبب جنسها، لأننا بذلك يمكننا خلق جنة حقيقية على الأرض.


 رێگای كوردستان ماڵپەڕێكی سیاسی، رۆشنبیری، گشتییە ئۆرگانی حزبی شیوعی كوردستانە، مەكتەبی راگەیاندنی ناوەندی بەڕێوەی دەبات

میدیا

   تەلەفۆن:   797 4635 750 964+

   ناونیشان:  هەولێر - گەرەکی ئازادی - نزیك نەخۆشخانەی نانەکەلی

   ئیمێل:  regaykurdistan@gmail.com

سۆسیال میدیا