الكاتب: آراس سعيد

مصطلح "القرية الصغيرة" الذي يعرفه الكثير منا، استُخدم لأول مرة من قبل مارشال ماكلوهان، الفيلسوف وعالم الاجتماع وجد مجال نظرية الإعلام.

في رأيه، يرتبط تطور المجتمع بتطور الأدوات والتقنيات. من هذا المنطلق، قال ماكلوهان: "تطور تقنية الاتصال يحول العالم إلى قرية صغيرة."

عندما طرح مارشال ماكلوهان فكرة القرية الصغيرة في الستينيات، تحققت نبوءته أسرع بكثير مما تخيل. الآن، بفضل تكنولوجيا الأقمار الصناعية والشبكات المذهلة للإنترنت والذكاء الاصطناعي، ربطت العلاقات الاجتماعية جميع أجزاء العالم معاً. كما أن عبارة مارشال ماكلوهان الشهيرة في هذا العصر الرقمي قد اتخذت شكلاً جديداً: قرية تصبح أصغر يوماً بعد يوم من منظور إنساني. اليوم أصبح العالم قرية، محاصرة بالتكنولوجيا والروبوتات، لكنها خالية من المعنى الحقيقي للتواصل الإنساني.

يقول العديد من الفلاسفة والعلماء في هذا المجال: "العالم اليوم في لحظة خطيرة، لأن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يخطوان نحو مستوى جديد ومرحلة نهائية حاسمة من تطورهما السريع." قال مارشال ماكلوهان قبل نصف قرن: "نحن نصنع الأدوات، ثم الأدوات تعيد صنعنا." على الرغم من أن هذا كان مجرد رؤية تنبؤية، إلا أنه اليوم أكثر من أي وقت مضى يحمل الحقيقة، وفي قريتنا الصغيرة، تعيد الشبكات الاجتماعية وأنظمة الذكاء الاصطناعي تشكيل طريقة التفكير وإعادة بناء البنية الاجتماعية لهوية الإنسان.

تحدث ماكلوهان عن أن "الوسيلة هي الرسالة"، فالأداة قبل أن تنقل شيئاً تنقل ذاتها. هذا يعني لعصرنا الحالي أن التقنيات ليست مجرد أدوات، بل تشارك في تغيير كيفية رؤيتنا وفهمنا للعالم.

في هذه القرية الصغيرة، تقرر روبوتات الدردشة ما نراه أو من نتعرف عليه وكيف نفكر في القضايا. كما تنبأ ماكلوهان، يعمل البشر كعقدة إلكترونية في شبكة كبيرة. لكن هل هذا هو نوع العالم الذي نحتاجه؟

الفلاسفة المعروفون كنقاد للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يصفون تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي كوحش أسود ومخيف. ينبع قلق الفلاسفة من الافتراض بأنه قد يأتي يوم تخرج فيه هذه الروبوتات عن سيطرة الإنسان ويصل ذكاؤها إلى المستوى الذي تعيد فيه إنتاج نفسها وتحارب ضد الإنسانية.

في هذا الصدد، هناك مئات القصص الخيالية العلمية والأفلام التي شاهد الكثير منا.

ذات مرة، روى الفيزيائي الراحل ستيفن هوكينج في برنامج تلفزيوني مع جون أوليفر: "مجموعة من العلماء صنعوا روبوتاً ذكياً، ثم سألوه بقلق: هل الله موجود؟ أجاب الجهاز على الفور: 'من الآن فصاعداً يوجد إله.' بعد قول هذا، أرسل صاعقة كهربائية قوية وسريعة إلى مفتاح القابس حتى لا يتمكن العلماء من إيقاف تشغيله."

دعونا نبتعد عن الافتراضات والتخيلات وأكتب لكم قصة حقيقية. في 27/12/2023، نشرت صحيفة ديلي ميل البريطانية أنه في مصنع جيجا تكساس بالقرب من ولاية أوستن، هاجم روبوت تسلا مهندساً من تسلا وأصابه. وقع الهجوم عندما كان المهندس منشغلاً بإصلاح روبوتين آخرين بسبب مشكلة تقنية، فهاجم الروبوت المهاجم. كان الروبوت قد صُنع من قبل تسلا للتعامل مع ونقل قطع السيارات الألمنيوم. في الحادث، هاجم الروبوت فجأة المهندس وجرح بمخالب قبضته ظهر ويد المهندس، مما تسبب في فقدانه الكثير من الدم... هذه بداية ذلك الخطر الذي حذر منه الفلاسفة والعلماء في هذا المجال.

الفيلسوف والمؤرخ الإسرائيلي يوفال نوح هراري يؤكد في معظم مقابلاته وندواته: "لا تستدعِ أبداً قوة لا تمتلك القدرة على السيطرة عليها."

تطور الذكاء الاصطناعي مثال واضح على محاولة الإنسان لخلق شيء يقف ضده. الآن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً كبيراً للوظائف في جميع أنحاء العالم. في عام 2018، لأول مرة في الصين، قُدمت نشرة الأخبار بواسطة روبوت كان على شكل إنسان حقيقي.

الروبوتات لديها قدرات استثنائية، وفي قريتنا الصغيرة يمكنها القيام بجميع تلك الأعمال التي يقوم بها الإنسان: من القيادة والتدريس والتصميم والكتابة وتحليل البيانات والمجال الطبي وغيرها. وفقاً للأبحاث، اختفت مئات الملايين من الوظائف في العالم بسبب الذكاء الاصطناعي. لكن بالنسبة للفلاسفة، هذه لا تزال بداية الخطر، وإذا خرجت الروبوتات عن السيطرة، فإن مصير قريتنا الصغيرة سيكون في خطر.

نيك بوستروم، الفيلسوف والباحث السويدي والأستاذ في جامعة أكسفورد، في تحفته (الذكاء الفائق/Superintelligence) يتحدث بشكل رائع جداً عن العصر الجديد ومستقبل الذكاء الاصطناعي ويتعمق في الاحتمالات التي تحدث في قريتنا الصغيرة. من وجهة نظره، في اللحظة التي يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي مستوى الذكاء البشري ويصل إلى مستوى الذكاء الفائق. ويرى أنه إذا وصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلته النهائية الحاسمة ووصل إلى مستوى الذكاء الفائق، فقد يكون آخر اختراع للإنسانية أو يصبح سبباً لفنائنا، أو يصبح آخر اختراع لنا.

أي حالة يكون فيها الذكاء الاصطناعي أذكى من الإنسان ويتطور كقوة مستقلة. ها نحن في هذه القرية الصغيرة، نسير خطوة بخطوة نحو هذه النقطة، دون أن نشعر تماماً بمخاطرها.

يثري نيك بوستروم افتراضه بحجة ويقول: "يتميز الإنسان عن الحيوانات الأخرى بقدرات دماغه، بحيث أن الدماغ لديه بعض القدرات التي لا تمتلكها أدمغة الحيوانات الأخرى. هذه هي القدرات الخاصة التي بُنيت عليها عظمة نوعنا. الحيوانات الأخرى لديها عضلات أقوى أو مخالب أحد، لكن لدينا دماغ أكثر ذكاءً. ماذا لو تجاوزت أدمغة الآلات يوماً ما دماغ الإنسان في مستوى الذكاء والفطنة؟ بلا شك يمكن أن يكون هذا الذكاء الجديد قوياً جداً. كما أن مصير الغوريلا الآن يعتمد أكثر على نحن البشر وليس على الغوريلا أنفسهم، بنفس الطريقة سيقع مصير نوعنا تحت رحمة أفعال الذكاء الفائق للآلات."

بوستروم، بعد رحلة مثيرة للاهتمام تماماً، يضعنا أمام هاوية التفكير حول وضع الإنسانية ومستقبل الحياة الذكية وإعادة فهم الدور الأساسي للإنسان في قريتنا الصغيرة. ويضع مسؤولية تاريخية على عاتق الجيل الحالي، في كيفية توجيه تطور الذكاء الاصطناعي بطريقة تنكسر لصالح الإنسانية، وليس أن يصبح سبباً للفناء؟

بوستروم لا يضع المخاطر فقط على كفة الميزان، بل ينظر بشكل منطقي ومسؤول إلى حل كيفية تقدم الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الذكاء الفائق ويقول: إذا لم تُغرس القيم الأخلاقية للإنسانية في صميم نظام الذكاء الاصطناعي، فسيؤدي ذلك إلى فناء الإنسانية، لأن السيطرة على روبوت أذكى من أنفسنا مستحيلة.

في قريتنا، تتعلم برامج الذكاء الاصطناعي والأنظمة الأخرى بسرعة وتطور نفسها، وبشكل مذهل تقترب من القدرات البشرية. هذا هو بالضبط الوضع الذي يحذر منه بوستروم، وضع نصبح فيه مشاهدين سلبيين لتاريخ قد لا يكون في مصلحة البشر.

اليوم نعيش في قرية صغيرة محاصرة بالكمبيوتر والهواتف الذكية والروبوتات وروبوتات الدردشة والطائرات المسيرة والأسلحة التكنولوجية، قرية يتلاشى فيها التواصل الإنساني الحقيقي. يمشي الناس في الشوارع بعيون مغلقة، رؤوسهم منحنية نحو شاشات الهواتف، علاقتهم مع الخوارزميات أكثر من علاقتهم مع جيرانهم. وسائل التواصل الاجتماعي، التي كان من المفترض أن تقوي العلاقات الاجتماعية، أصبحت سبباً لعزلة ووحدة الإنسان. الذكاء الاصطناعي، الذي وعد بحياة أسهل، أصبح خطراً وأداة للمراقبة والسيطرة. في هذه القرية الصغيرة، كما تنبأ ماكلوهان، جلبت أدواتنا تغييرات على الإنسانية، أو كما قال بوستروم: قد يكون هذا آخر اختراع للإنسانية.

ــــــــ

آراس سعيد، كاتب وصحفي وباحث كردي متخصص في نظرية الإعلام وفلسفة الإعلام والذكاء الاصطناعي. مؤلف كتاب "مرحباً بالقرية الصغيرة" الذي يتناول تأثير التكنولوجيا ووسائل الإعلام الجديدة على المجتمع الإنساني، مستنداً إلى نظريات مارشال ماكلوهان والمفكرين المعاصرين.


 رێگای كوردستان ماڵپەڕێكی سیاسی، رۆشنبیری، گشتییە ئۆرگانی حزبی شیوعی كوردستانە، مەكتەبی راگەیاندنی ناوەندی بەڕێوەی دەبات

میدیا

   تەلەفۆن:   797 4635 750 964+

   ناونیشان:  هەولێر - گەرەکی ئازادی - نزیك نەخۆشخانەی نانەکەلی

   ئیمێل:  regaykurdistan@gmail.com

سۆسیال میدیا