
ستار أحمد
تُعدُّ اللغة، بوصفها ظاهرة كونيّة وآية كبرى من آيات الوجود، واحدة من أعمق التعبيرات وأكثرها تعددًا في الأبعاد؛ تعبيرٌ يعكس بشكل مباشر حكمة الله وقدرته اللامحدودة. وحين ندرس اللغات من منظور فلسفي، فكري، علمي، وأدبي، نصل إلى حقيقة لا تقبل الجدل: وهي أن كل لغة تحمل في جوهرها قدسية متساوية ومتطابقة عند الخالق، إذ لم تظهر أي لغة إلى الوجود دون مشيئته، وعطائه، وتدبيره الإلهي. ومن المنظور الفكري والفلسفي، لا تمثل اللغة مجرد أداة لنقل المعلومات أو تسيير شؤون الحياة اليومية، بل هي حَدَث وجودي هائل يستطيع الإنسان من خلاله استكشاف العالم وتعريف ذاته. إن الله، حين وهب الإنسان القدرة على النطق والتعبير، قد فتح له في الحقيقة أبواب الفهم والتفكير. وقد تجلت هذه القدرة لدى البشرية جمعاء بأشكال وألوان شتى، مما يشكل في حد ذاته دليلًا على كمال وعظمة قوة الخلق. إن تعدد اللغات على وجه الأرض ليس علامة على الخلاف أو التباعد، بل هو دليل ناصع على ثراء وجمال ذلك المخطط الكوني الذي رسمه الله للبشرية؛ إذ تمثل كل لغة زاوية رؤية خاصة ونافذة فريدة لمعاينة الحقيقة والتعرف على العالم. ولا توجد لغة عند الله أعلى أو أدنى من لغة أخرى، لأنها جميعًا نبعت من مصدر رئيسي واحد، وهو القدرة الإلهية الموهوبة للإنسان. وهذا العطاء الشامل يخبرنا بأن مفهوم القدسية لا يقع في خانة تمييز لغة على أخرى، بل إن كل لغة تمتلك القدرة على إيصال الحق والخير هي علامة حية على قدرة الباري.
من جهة أخرى، إذا نظرنا إلى الموضوع من منظور علمي ولغوي، فإن علم اللسانيات الحديث يثبت أن جميع لغات العالم، دون استثناء، تمتلك بنية وقواعد ونظامًا معقدًا ومحكمًا قادرًا على التعبير عن أوسع الأفكار البشرية وأكثرها تعقيدًا. لا توجد في العالم لغة بدائية أو ناقصة؛ فكل مجتمع قد طوّر لغته وفقًا لاحتياجاته الفكرية والبيئية. وتتوافق هذه الحقيقة العلمية تمامًا مع المفهوم الفلسفي والديني الذي يؤكد أن الله خلق جميع الشعوب واللغات على حد سواء، وأن عين لطفه وكرمه تشمل الجميع بالتساوي. تمتلك اللغات، من حيث بنيتها الصوتية والدلالية، سياجًا متينًا يظهر قوة الفكر البشري، وهذه القوة تعود بدورها إلى تلك الأدوات الفطرية التي غرسها الله في أعماق الإنسان. وبهذا، يصبح العلم سندًا قويًا لندرك أن اختلاف اللغات هو اختلاف في الشكل والمظهر فحسب، أما في المضمون فكلها تصبو إلى هدف واحد: وهو التماس الحقيقة وربط الإنسان بمحيطه وبخالقه. وتكمن قدسية اللغة في كونها جسر التواصل بين الأرض والسماء، بين المادة والروح، بين المؤقت والأزلي. وقد مُنحت هذه الأداة النفسية والوعيّة بمقادير متساوية لجميع اللغات، دون تفضيل إحداها على الأخرى أو منحها ميزة مطلقة تحرم منها البقية. ولا يمكن للإنسان بقوانينه الأرضية أن يقيس قيمة لغة ليجعلها أثمن، لأنه عند مصدر الوجود، تعد جميع اللغات بوابات للتفاهم البشري.
ومن المنظور الأدبي والجمالي، تعتبر اللغة ميدانًا ترتقي فيه الروح الإنسانية لتصل إلى ذروة الإبداع؛ حيث يستطيع الإنسان عبر اللغات المختلفة أن يعبر عن صرخات أعماقه، وعن حبه، وآلامه، ومشاعره. وحين يكتب شاعر أو كاتب نصًا أدبيًا مشرقًا بأي لغة كانت، فإنه في الحقيقة يزيح الستار عن جانب من جماليات الخلق الإلهي. إن أدب كل شعب هو مرآة لروحه. والله سبحانه وتعالى، حين خلق هذا التنوع اللوني في اللغات، أراد أن يظهر لوحة متعددة الألوان ومثرية للبشرية، يكون فيها لكل صوت، ولكل كلمة، ولكل نغمة لغوية قيمتها الفريدة وقدسيتها الخاصة. وحين يتأمل الإنسان في هذا التعدد، يشعر بعظمة الخالق الذي استطاع، عبر إشارات ورموز وأصوات مختلفة، أن يرسخ معنًى واحدًا وحقيقة واحدة في نفوس البشر جميعًا. لذلك، فإن آداب اللغات المختلفة تلتقي في الأصل، وتسير كلها نحو مصدر واحد من الجمال والنقاء. هذه المساواة الأدبية والروحية تجعل مفهوم القدسية غير محصور في لغة معينة، بل يشمل اللغات كافة؛ لأن الله متعالٍ فوق اللغات، وهو يسمع كل صوت ودعاء ونداء بأي لغة أو لهجة كانت. فضله سبحانه لا يحده لسان، ورحمته تصل إلى مخلوقاته عبر اللغات كلها. وحين يرفع الإنسان صوته بالدعاء الخالص بلغته الأم، فإن صداه يتردد في السماء دون الحاجة إلى ترجمة، لأن الله هو خالق تلك اللغة.
إن التوسع في هذا الفكر يقودنا إلى فهم أن التنافس بين اللغات لفرض الهيمنة ما هو إلا نتاج لصراعات القوى الأرضية والنزعات التسلطية، وليس مشيئة إلهية. فالتاريخ البشري حافل بالأمثلة التي حاولت فيها بعض الأمم جعل لغتها هي اللغة الوحيدة واستصغار اللغات الأخرى، لكن طبيعة الكون سارت دائمًا نحو التعددية والحفاظ على التنوع. من منظور العدل الإلهي، لكل شعب الحق في تطوير حضارته والتفكير بالأسلوب واللغة التي وُهبت له. وإن الاستهانة بأي لغة هي نوع من الإساءة لجزء من آيات الله التي تجسدت في تلك اللغة. فكل كلمة في أي لغة تحمل خلفها تاريخًا من التجربة الإنسانية والتأمل الباطني، مما يجعل قواميس اللغات كنزًا مشاعًا للبشرية وضعه الله في نفوس الشعوب. وحين ننظر في أصول اللغات، نرى أن التراكيب الصوتية والحروف تختلف في المظهر، لكنها في الجوهر تتوق كلها للوصول إلى قمة الفهم والحقيقة. هذا التوازن في قوة التعبير هو أكبر دليل على أن مصدر الخلق لم يشأ حشر البشرية في قالب واحد جامد، بل أراد خلق تناغم عظيم بين مخلوقاته عبر ألحان مختلفة.
وفي الختام، يمكننا القول إن التأمل العميق في اللغات ومكانتها عند الله، يوصل الإنسان إلى إيمان مطلق بأن مساواة اللغات وقدسيتها جزء لا يتجزأ من العدل الإلهي والنظام الكوني. وكل محاولة للاستخفاف بلغة ما أو رفع أخرى فوق مثيلاتها، هي في الحقيقة سوء فهم للحكمة والمشيئة الإلهية التي اقتضت خلق هذا الاختلاف. إن اللغات كأنهار جارية تنبع من مصادر شتى، لكنها تصب في النهاية في بحر واحد كبير: وهو بحر الإنسانية والعلم الإلهي. إن الحفاظ على اللغات واحترامها هو احترام لتلك الهبة العظيمة التي منّ الله بها على الإنسان، وإقرار بأن كل لغة هي جزء من ترنيمة الوجود الكبرى التي تُرتل ثناءً على عظمة الخالق وجماله. والإنسان الحكيم والمثقف هو من يدرك هذه الحقيقة العميقة، فيرى لغته مقدسة جنبًا إلى جنب مع بقية لغات العالم، لعلمه أنه في محكمة الخالق، لم تُخلق لغة دون آية من آيات الحكمة. وبهذا الشكل، تصبح اللغة رمزًا أبديًا للوحدة في التنوع، ودليلًا على أنه أمام الله، كل اللغات مقدسة، وكل الأصوات تصل إلى شاطئ السمع والقبول دون أي تمييز أو تفرقة. ومن هنا، تفتح صفحة جديدة من التسامح والتعايش البشري القائم على أساس احترام لغة الآخر.
