
ستار أحمد
إن الحرب ليست مجرد صراع بين قوتين في ميدان محدد، بل هي أكبر انهيار أخلاقي وإنساني عرفه التاريخ. فعندما تُخلي لغة الحوار مكانها للبارود والنار، تدخل البشرية في أحلك مراحلها. إن ما تخلفه الحرب وراءها ليس مجرد دمار للمباني وتخريب للبنى التحتية، بل هو انطفاء لآلاف الأحلام وانكسار نفسي للأجيال. إن تداعيات الحرب لا تندمل بمرور السنين؛ فالطفل الذي ينشأ تحت دوي الانفجارات، والأم التي تنتظر عودة جثمان ابنها، والوطن الذي يتحول إلى حقل لتجارب الأسلحة الجديدة، كلهم يشهدون بأن الحرب لا يوجد فيها منتصر حقيقي، بل الجميع فيها خاسرون، باستثناء أولئك الذين يملأون جيوبهم على حساب دماء الناس.
أولئك الذين يذكون نيران الحرب ويقرعون طبولها، يجلسون في الغالب خلف الستائر الكثيفة وفي الغرف الباردة والظليلة. هؤلاء هم تجار الموت الذين يضعون مصالحهم الخاصة والسياسية فوق كل قيمة إنسانية. غايتهم الأساسية إما فرض سلطة مطلقة، أو جني الثروات من خلال بيع الأسلحة وإعادة إعمار الدمار الذي تسببوا فيه. هؤلاء، باستخدام شعارات براقة وتأجيج للمشاعر القومية أو الدينية، يرسلون أبناء الفقراء إلى جبهات القتال، في حين يعيش أطفالهم في أقصى درجات الأمان والرفاهية. هذه هي أكبر خيانة يمكن أن يرتكبها إنسان بحق أخيه الإنسان، أن يجعل حياة آلاف البشر وقوداً لكرسي مهتز أو لرقم إضافي في حساباته البنكية.
من الناحية الدينية والوجدانية، يعتبر هؤلاء الأشخاص أكبر المجرمين. فعند الله تعالى، الإنسان وكرامته أغلى من كل شيء، وسفك قطرة دم واحدة بغير حق يعادل في ثقله هدم العالم بأسره. إن الذين يزرعون الفتنة ويحرضون على القتل لن يفلتوا من العدالة الإلهية، لأنهم لم ينتهكوا حقوق الإنسان فحسب، بل انتهكوا حق الله في الأرض وهو السلام والإعمار. أما تجاه الشعب والوطن، فسيبقى هؤلاء كبقعة سوداء في التاريخ. إن الوطنية الحقيقية هي حماية حياة المواطنين وإبعادهم عن الدمار، لا تحويل الأرض إلى مقبرة كبرى. إن الذين يسوقون البلاد نحو الهاوية لمصالح أجنبية أو لإشباع غريزة حب السلطة، ليسوا مجرمين فحسب، بل هم خونة للوطن، لن يغفر لهم التاريخ ولا الأجيال القادمة أبداً.
إن تداعيات الحرب لا تتوقف عند الحدود، بل تتغلغل في عمق البيوت وأرواح الأفراد. الفقر، البطالة، الجهل، وحرمان الأطفال من حنان الأب، كلها هي الميراث المر للحرب. لذا، فإن واجب كل إنسان صاحب ضمير وكل قلم حر هو الوقوف ضد أصوات طبول الحرب وكشف الوجه الحقيقي لتجار الدماء للمجتمع. إن الوطن يُعمر بالسلام والفكر والعلم، لا بالنار التي لا تترك وراءها سوى الدخان والرماد. إن حماية البشرية من هذا الحريق هي أعظم جهاد وأنبل نضال يجب أن نتكاتف جميعاً من أجله، لكي لا تبقى دماء الأبرياء وقوداً لتدفئة قصور أناس يجدون حياتهم في موت الآخرين.