
ستار احمد
تعد الحضارة السومرية أول شعاع للعقل والمعرفة في تاريخ البشرية، ومع ذلك فقد ظلت لأكثر من قرن من الزمان تحت غطاء من التضليل التاريخي والسياسي الممنهج. فعند الحديث عن السومريين، تصورهم معظم المصادر الكلاسيكية الغربية والقوى الإقليمية كشعب مجهول الهوية بلا أصول، ظهر فجأة في سهول جنوب بلاد ما بين النهرين، لكن الحقائق الآثارية واللغوية تشير إلى حقيقة أخرى تماماً، وهي الجذور الزاغروسية والهوية والثقافة الكردية لهذا الشعب. إن إخفاء هذه الحقيقة لم يكن مجرد خطأ تاريخي عابر، بل كان عملية مخططاً لها لحرمان الكرد من جذورهم الحضارية وإعادة صياغة التاريخ لصالح القوميات المهيمنة في المنطقة. ويؤكد مؤرخون كبار مثل طه باقر، والدكتور جمال رشيد، ومحمد أمين زكي بيك، بأدلة دامغة أن السومريين هم تلك الجماعات التي انحدرت من جبال زاغروس وكردستان نحو الجنوب، حاملين معهم ثقافة الزراعة وتربية الحيوان. ويتضح هذا الانتقال التاريخي بجلاء من خلال اللغة السومرية، وهي لغة إلصاقية تتبع نفس النظام اللغوي للغات الزاغروسية القديمة واللغة الكردية الحالية، على عكس اللغات السامية التي لها نظام مختلف تماماً. إن الكلمات الأساسية مثل "گود" للثور، "مە" للضمير أنا، "كاش" للركض، "گر" للتل، "ئور" للأرض، و"گال" للعظيم أو الكبير، ليست إلا نماذج قليلة من مئات الكلمات الكردية التي لا تزال حية في ثنايا جبال زاغروس حتى يومنا هذا. لقد كان الهدف من تغييب هذه الحقائق هو تصوير الكرد كشعب بلا تاريخ ومجرد "بدو جبليين" لسلبهم شرعيتهم السياسية وحقوقهم في أرضهم. وحتى بناء "الزقورات" كجبال اصطناعية في السهول المنبسطة، لم يكن إلا تعبيراً عن "التوق والحنين" (Nostalgia) العميق الذي كان يشعر به الإنسان السومري تجاه وطنه الأم في جبال كردستان، محاولاً إعادة تشكيل بيئته الجبلية المفقودة من الطين والآجر. كما أن ملحمة كلكامش وشخصية "أنكيدو" التي تمثل رجل الجبل الأصيل، إضافة إلى عيد "زغموك" الذي هو نفسه عيد "نوروز" الكردي (حيث كان الملوك والآلهة يعودون إلى الجبل في رأس السنة)، كل ذلك يكمل الحلقة التاريخية التي تثبت وحدة الهوية بين السومريين والكرد. لذا، آن الأوان لقراءة تاريخ ميزوبوتاميا من منظور زاغروسي، لأن كل حرف على الألواح الطينية وكل حجر في الزقورات يشهد بأن الكرد هم الورثة الحقيقيون لأول حضارة في العالم، وأن النور الذي أضاء البشرية قبل خمسة آلاف عام كانت قمم كردستان الشاهقة هي مصدره الأول.
المصادر
المصادر والمراجع المقترحة:
طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة.
د. جمال رشيد أحمد، دراسات في القومية الكردية واللغات الزاغروسية.
محمد أمين زكي بك، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان.
د. فوزي رشيد، تاريخ اللغات القديمة.