
ستار أحمد
لا يمكن قراءة الديمقراطية في سياق الفكر السياسي المعاصر بوصفها مجرد آلية إجرائية لصناديق الاقتراع، بل هي في جوهرها الوجودي تمثل المفتاح الحقيقي والوحيد لفتح أبواب الازدهار الشامل وصون الكرامة الإنسانية. إن الديمقراطية هي المناخ الحيوي الذي تتنفس فيه الطموحات الوطنية، حيث تتحول من مجرد منظومة سياسية إلى ثقافة مجتمعية متجذرة تهدف إلى ترسيخ قيم العدالة والمساواة المطلقة أمام هيبة القانون. وحين نسبر أغوار التاريخ وتجارب الشعوب التي حققت قفزات نوعية في مضمار الحضارة، نجد أن الديمقراطية كانت دائماً هي الأرضية الصلبة التي انطلقت منها ثورات الإصلاح، فهي التي تمنح الفرد شعوراً حقيقياً بالمواطنة والمسؤولية، وتدفعه من مربع الاتكال إلى فضاء المشاركة الفعالة في صياغة قدره ومستقبل وطنه.
إن التلازم البنيوي بين الديمقراطية والازدهار الاقتصادي يمثل حقيقة لا تقبل الجدل؛ فالديمقراطية تبرز كحارس أمين للمال العام ومحفز استراتيجي للتنمية المستدامة. إن وجود الشفافية المؤسساتية وتفعيل أدوات الرقابة والمساءلة الصارمة يقطع الطريق أمام تغول الفساد والبيروقراطية المترهلة، مما يخلق بيئة استثمارية جاذبة قائمة على تكافؤ الفرص وحماية الملكية الخاصة وحقوق الأفراد. هذا المناخ المؤسساتي الرصين لا يكتفي بجذب الرساميل فحسب، بل يؤدي إلى إنعاش الدورة الاقتصادية ورفع القوة الشرائية، مما يحول المجتمع من مستهلك سلبي إلى قوة منتجة قادرة على خلق فرص العمل والحد من شبح البطالة، وهو ما يضع الدولة على سكة الازدهار المادي والحضاري.
وبالتوازي مع ذلك، تلعب الديمقراطية دوراً محورياً في إعادة صياغة العقل البشري والمنظومة القيمية للمجتمع، إذ تفتح آفاقاً رحبة لحرية التفكير والبحث العلمي والإبداع. إن أي نظام سياسي يحترم التعددية الفكرية يساهم بالضرورة في جعل المؤسسات التعليمية حواضن لإنتاج جيل واعٍ، يمتلك ملكة النقد ويرفض المسلمات الجامدة. فعندما يتشرب الفرد قيم الحوار وقبول الرأي الآخر كضرورة حضارية، يرتفع الرصيد المعرفي للمجتمع بأسره، وتتوارى لغة الإقصاء والتهميش. فالعقل الحر، الذي لا تقيده أغلال الاستبداد، هو العقل الوحيد القادر على ابتكار الحلول الخلاقة لمواجهة تعقيدات العصر وتجاوز العقبات التي تعترض مسيرة التطور الوطني.
أما على الصعيد الاجتماعي، فإن الديمقراطية تظل الملاذ الآمن والوحيد لصهر التنوع الثقافي والإثني في بوتقة الهوية الوطنية الجامعة. ففي المجتمعات المتعددة، لا يمكن حماية حقوق الجميع إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي، تتحول فيه الجغرافيا والتاريخ والتنوع القومي والديني إلى مصادر ثراء وقوة بدلاً من أن تكون وقوداً للنزاعات. إن الاستقرار المستدام الذي تنشده الأمم لا يُبنى بالحديد والنار، بل يُشيد من خلال منح المواطن صوتاً مسموعاً وكرامة مصانة، مما يعزز من أواصر الانتماء والولاء للدولة. هذا الاستقرار هو الذي يتيح توظيف طاقات الدولة ومواردها السيادية في مشاريع الإعمار والبناء، بدلاً من استنزافها في صراعات داخلية لا رابح فيها.
ختاماً، يجب أن ندرك أن الديمقراطية ليست محطة نهائية نصل إليها ونكتفي، بل هي رحلة مستمرة من الوعي والممارسة والتطوير الدائم. إن حماية هذا المنجز الحضاري وتطوير أدواته هي مسؤولية وطنية وأخلاقية تقع على عاتق كل فرد، وكل مؤسسة رسمية ومدنية. إن الطموح نحو بناء مستقبل مشرق، يضع بلادنا في مصاف الدول المتقدمة، لا يمكن أن يتحقق بالوعود الشعاراتية، بل بالإيمان الراسخ بأن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية هما "المفتاح الذهبي" الوحيد الذي يفتح لنا آفاق الرقي والازدهار والسيادة الحقيقية في عالم لا يحترم إلا الأقوياء بوعيهم ونظامهم.