​بقلم: ستار أحمد

​غالبًا ما يُكتب التاريخ من قبل المنتصرين، بطريقة تُخفى فيها الدماء والجرائم تحت عباءة القداسة والملاحم البطولية. عندما نتحدث عن تاريخ منطقتنا، نواجه جدارًا سميكًا من الرقابة يمنع إنسان اليوم من فهم تلك الحقائق المرة التي شكلت العمود الفقري للسلطة السياسية في الشرق. إن البحث عن الحقائق بين الصفحات المغبرة للتاريخ ليس بالأمر الهين؛ لأننا لا نتحدث فقط عن تغييرات سياسية، بل نتحدث عن مستنقع تاريخي خُنقت فيه كل القيم الإنسانية. ولكي نفهم لماذا يمتلئ حاضرنا بالصراعات والأحقاد، يجب أن نعود إلى تلك اللحظات التي استُخدم فيها الدين لأول مرة كأداة للسلطة، وأصبحت الصحراء مصدرًا لتصدير العنف.

​إن تاريخ صعود السلطة السياسية في صحاري الجزيرة العربية لم يكن مجرد تحول بسيط في المعتقدات، بل كان بداية لسلسلة من الجرائم والصراعات الدموية، ضُحي فيها بكل القيم الإنسانية من أجل الوصول إلى الكرسي والثروة. هذا التاريخ لم ينتظر حتى يُوارى جثمان النبي الثرى، حتى انفجر الصراع على السلطة كالبركان في "سقيفة بني ساعدة". هناك، وبدلاً من الحزن على رحيل فقيدهم، تسابقوا على خلافته؛ وفي تلك اللحظة وُضعت أسس سلب حقوق علي وعائلته. لم يكن هذا التهميش مجرد مشكلة داخلية، بل كان الشرارة الأولى لنشوء الانقسام والمذهبية التي قسمت تاريخ المسلمين إلى سنة وشيعة؛ ذلك الشرخ الذي لا يزال ينزف دمًا حتى اليوم وشق جسد الشرق الأوسط.

​ولم يلبث هذا الصراع السياسي طويلًا حتى تحول إلى حروب عسكرية مفتوحة. فالصحابة، الذين كانوا يومًا تحت راية واحدة، انقلبوا على بعضهم البعض. وفي معركتي الجمل وصفين، سقط الآلاف ضحية لتعطش القادة للسلطة. ويتحدث التاريخ بخجل عن كيفية اغتيال ثلاثة خلفاء بخناجر المؤامرات في قلب مكة والمدينة. ووصل الحقد والكراهية بين العائلات إلى مستوى لم يحترموا فيه حتى حرمة الموتى؛ فكلما انتقلت السلطة من يد إلى أخرى، كانوا ينبشون قبور الخلفاء السابقين ويحرقون رفاتهم. كان ذلك علامة على حقد أزلي لم يتوقف حتى أمام صمت القبور.

​أما تجاه الشعب اليهودي، فقد بدأت الجرائم بشكل جذري وممنهج. فأولئك الذين كانوا في المدينة وضواحيها أصحاب أرض وقلاع وحضارة، واجهوا تطهيرًا عرقيًا. وفي مجزرة منقطعة النظير، ذُبح رجال اليهود في يوم واحد داخل الخنادق، ووُزع نساؤهم وأطفالهم كغنائم حرب في الأسواق. أما أرض فلسطين، التي كانت تُعتبر حقًا تاريخيًا لنسل إسرائيل وفق النصوص القديمة، فقد احتُلت تحت مسمى "الفتح"، وتعرض سكانها الأصليون لاضطهاد طويل الأمد.

​هذه العقلية الغازية لم تكتفِ بشبه الجزيرة العربية، بل انطلقت كفعل مدمر نحو بلاد فارس وكردستان. وعندما وصل الجيش العربي إلى هذه المناطق، دمر حضارات دامت آلاف السنين. أُحرقت المكتبات الكبرى التي كانت كنوز العلم البشري؛ لأن فكر المحتل كان يرى أن كل العلوم محصورة في كتاب واحد، وما عداه كفر. وأمر أحد قادتهم القساة بربط مياه الأنهار لتمتزج بدماء القتلى وتدور المطاحن بالدم، فقط ليرسلوا رسالة رعب مفادها أن "قوتهم الإلهية" لا حدود لها.

​ووصلت الجرائم بحق الأمة الكردية وشعوب أفريقيا إلى ذروة الوحشية. سجل التاريخ بمرارة أنه في إحدى الهجمات على شمال أفريقيا، سُبي ٣٠٠ ألف امرأة وطفل كجواري وعبيد ليساقوا إلى أسواق النخاسة. كانت هذه أكبر تجارة بالبشر عرفتها البشرية. وفي العصر الحديث، انبعث ذلك الحقد القديم في صورة القصف الكيمياوي وعمليات الأنفال؛ فتدمير ٥٠٠٠ قرية في كردستان ودفن ١٨٢ ألف إنسان بريء وهم أحياء، لم يكن إلا امتدادًا لتلك العقلية الصحراوية التي تعتقد أن كل القوميات الأخرى يجب أن تفنى أو تصبح تابعًا لخدمتهم.

​بل إنهم لم يرحموا حتى مقدساتهم الخاصة. فعندما كان الصراع السياسي يصل إلى طريق مسدود، كانوا يهاجمون مكة بالمنجنيق ويحرقون الكعبة. وأُبيحت مدينة المدينة، التي تُعد مدينتهم المقدسة، للجنود لمدة ثلاثة أيام ليرتكبوا فيها كل أنواع الجرائم والانتهاكات فيما عُرف بـ "واقعة الحرة".

​إن محو الحضارات البابلية والآشورية والسومرية كان كارثة إنسانية كبرى أخرى. فتلك الشعوب التي ابتكرت الكتابة والقانون وعلم الفلك، طُمست هويتها تحت أقدام جيوش الغزاة. وحُطمت الآثار القديمة باعتبارها علامات كفر، وحُظرت اللغات الغنية مثل الآرامية والسريانية، وأُجبر الناس على التحدث بالعربية فقط، لتتحول واحدة من أغنى مناطق العالم علميًا إلى صحراء فكرية. ومن الناحية الجغرافية، تغيرت ديموغرافية المناطق؛ فانتُزعت الأراضي الخصبة من مزارعيها الأصليين ومُنحت للقبائل العربية كمكافآت حربية، مما أدى إلى انهي…


 رێگای كوردستان ماڵپەڕێكی سیاسی، رۆشنبیری، گشتییە ئۆرگانی حزبی شیوعی كوردستانە، مەكتەبی راگەیاندنی ناوەندی بەڕێوەی دەبات

میدیا

   تەلەفۆن:   797 4635 750 964+

   ناونیشان:  هەولێر - گەرەکی ئازادی - نزیك نەخۆشخانەی نانەکەلی

   ئیمێل:  regaykurdistan@gmail.com

سۆسیال میدیا