
(ستار أحمد)
إن التاريخ السياسي للشرق الأوسط في القرن الماضي مليء بالتحولات القاسية والصراعات الأيديولوجية، لكن بالنسبة للشعب الكردي، لم يكن لهذا التاريخ سوى وجه واحد: الإنكار والقمع. حين ننظر إلى الشخصيات المؤثرة مثل أتاتورك، الشاه، جمال عبد الناصر، حافظ الأسد، وصدام حسين، ومن بعدهم أردوغان وخامنئي وغيرهم، نصل إلى حقيقة لا تقبل الجدل؛ وهي أن القومية والمصلحة القومية لدى هؤلاء القادة هي "المقدس الوحيد والمطلق"، وكل ما عدا ذلك —من الدين إلى العلمانية— ليس سوى أدوات للحفاظ على ذلك المقدس.
قدسية القومية لدى الآخرين
إذا كان قائد مثل مصطفى كمال أتاتورك قد جعل العلمانية هوية للدولة، فلم يكن ذلك لتحويل تركيا إلى بلد ديمقراطي، بل لتوحيد الأمة التركية على أساس جديد يُعتبر فيه الوجود الكردي "جريمة". وفي المقابل، حين يرفع الحكام الدينيون في إيران أو تركيا الحالية المصاحف ويتحدثون عن "الأخوة الإسلامية"، فإنهم لا يفعلون ذلك إلا حين يريدون إسكات الكرد عن المطالبة بحقوقهم المشروعة.
لقد أثبت هؤلاء القادة أن الحزب أو النظام، سواء كان إسلامياً أو علمانياً، بمجرد أن تتعرض مصلحة قوميتهم (التركية، العربية، الفارسية) للخطر، فإنهم مستعدون لنبذ كل القيم الإنسانية والنصوص الدينية جانباً. بالنسبة لهم، الإنسانية أو الإسلام ليسا شرطاً أساسياً، بل "الانتماء القومي" هو الشرط الأول والأخير.
الكردي بلا وطن وفخ الأيديولوجيا
هنا تظهر مفارقة غريبة لدى الفرد الكردي؛ ففي الوقت الذي جعل فيه محتلو كردستان من قوميتهم "إلهاً" يضحون بكل شيء من أجله، نجد أن جزءاً كبيراً من الكرد قد ضحوا بقوميتهم من أجل الأيديولوجيات والأديان. الكرد هم القومية الوحيدة التي تخلت عن حقها في الأرض واللغة باسم "الأخوة الدينية"، غافلين عن أن الله حق، ورسالته هي العدل، ولا يوجد عدل أسمى من أن يمتلك شعب كرامته وأرضه.
حقيقة مرّة
أولئك القادة الذين ذكرناهم؛ من صدام الذي أباد الكرد تحت مسمى "الأنفال"، إلى أردوغان الذي احتل عفرين باسم "الدين"، وخامنئي الذي ينصب المشانق للشباب الكردي باسم "الإسلام"، جميعهم يشتركون في نقطة واحدة: أنهم كائنات قومية. إنهم يعلموننا أننا دون وطن ودون كيان قومي قوي، سيتحول الدين والمقدسات إلى مجرد أدوات بيد المحتل لمزيد من اضطهادنا.
لكي يخرج الكرد من هذه الحلقة المفرغة من الظلم، يجب أن يدركوا أن عدالة الله تتجسد في حرية الشعوب. إن "القومية" بالنسبة للكرد ليست معاداة للدين، بل هي الطريق الوحيد لحماية الإنسان والكرامة وحتى الدين نفسه. لقد حان الوقت لكي يضع الكرد —مثل بقية الأمم— مصلحتهم القومية فوق أي اعتبار آخر، لأن التاريخ أثبت: أن القائد الذي لا يحب قوميته، لا يمكنه أن يحب ربه بصدق.