​بقلم: ستار أحمد

 

 

​حين يجري الحديث عن الحرب، لا يتحدث المرء فحسب عن صدام بين قوتين أو صراع بين جيشين، بل يتحدث عن لظى نارٍ أولُ ما تحيله إلى رماد هو القيم الأخلاقية والإنسانية. إن الحرب هي المحرقة الأكبر والأكثر رعباً للمدنية والحضارة؛ فمع إطلاق الرصاصة الأولى، يُبتر لسان العقل والحوار، ويُخلي مكانه لغريزة القتل والدمار. هذا المارد المدمّر لا يكتفي بالحدود الجغرافية، بل ينفذ إلى أعماق الروح البشرية، ليحرق تلك النقاء والطهارة التي بُنيت عليها الإنسانية، محولاً إياها إلى دخان أسود يطمس آفاق الأجيال القادمة. وفي أتون هذه النار، تستحيل كل المقدسات ركاماً؛ فحق الحياة -وهو أعظم عطاء إلهي- يغدو أرخص سلعة في سوق صراعات القوى، وتُسحق كرامة الإنسان تحت أقدام الجنود ومجنزرات الدبابات. إن كل انفجار يقع لا يهدم الجدران فحسب، بل يُقوّض الجسور الأخلاقية بين البشر، ويزرع بذور حقدٍ وانتقام قد تُدفع أثمانها لقرون مديدة.

​إن أحد أكثر آثار الحرب إيلاماً وعمقاً هو تدمير عالم الطفولة البريء. فالأطفال الذين كان يُفترض بهم أن يصيغوا أحلامهم في رياض اللعب وقاعات العلم، يتحولون في الحرب إلى وقود صامت. لا تكتفي الحرب بإصابة أجسادهم الغضة، بل تتجاوز ذلك لتسميم خيالهم ونفوسهم. فالطفل الذي يستيقظ على صرير الدبابات ودوي الصواريخ بدلاً من أغنيات أمه، يختل لديه مفهوم الأمان. إن الجرح النفسي الذي تخلفه الحرب في قلوب الأطفال هو أشبه بالسرطان، ينمو مع نموهم؛ ليخرج لنا جيلاً مثقلاً بالقلق، والحقد، والنزوع نحو العنف، لأنهم لم يربوا أبصارهم إلا على لون الدم ومشاهد الخراب. إن فقدان الأبوين أمام أعين الصغار، أو التشريد والحرمان من أبسط الحقوق، يضع الإنسانية أمام محكمة أخلاقية كبرى يكون فيها العالم أجمع متهماً. هؤلاء الأطفال، الذين كان يُفترض أن يكونوا بناة المستقبل، يتعلمون وسط الأنقاض أن العالم مكان بلا رحمة، وهذا هو الفشل التربوي والإنساني الأكبر الذي تورثنا إياه الحرب.

​ومن جهة أخرى، تعمل الحرب كآلة لا تعرف الشفقة لطحن اقتصاد الشعوب ومستقبلها. فتلك الثروات الهائلة التي كان ينبغي أن تُسخّر للإعمار، وتطوير العلوم، واستئصال الأمراض، تتحول في لحظة إلى أسلحة وذخائر لقتل إنسان آخر. تدمر الحرب البنية التحتية التي شُيدت بعرق السنين، وتدفع بالمجتمعات نحو فقر مدقع قد لا تنجو منه أجيال متعاقبة. وغالباً ما يحصد الجوع والمرض اللذان يتفشيان في أعقاب الحروب ضحايا يفوقون ضحايا القتال نفسه. إن هذا ليس مجرد خسارة مالية، بل هو سرقة لحق الأجيال القادمة في حياة كريمة. الحرب تقتل فرص العمل، وتُنعش الأسواق السوداء والجريمة، وتجعل البلاد مرتعاً لتجار الموت والدم، بينما تُسحق الغالبية العظمى بين مطرقة الفقر وسندان التشرد. فكل مصنع يُهدم يعني آلاف العائلات بلا خبز، وكل حقل يُحرق يحتاج سنوات ليعود للعطاء، مما يشل جسد الدولة الاقتصادي ويحولها إلى كيان تابع ومثقل بالديون.

​علاوة على ذلك، تحرق الحرب جسد الطبيعة والبيئة الوطنية؛ فتغدو الغابات رماداً، وتتلوث التربة بالسموم والألغام، وتتحول المياه إلى منابع للموت. إن تدمير البيئة هو "حرب صامتة" تستمر في حصد الأرواح حتى بعد أن تسكت المدافع. فتسمم البيئة بمخلفات الأسلحة الكيميائية والبيولوجية له آثار بعيدة المدى، تنتقل من جيل إلى آخر كإرث مشؤوم. تخل الحرب بالتوازن الطبيعي الذي حفظ الحياة لآلاف السنين، وهذه جريمة كبرى بحق جميع الكائنات. وحين يختلط أكسجين الحياة بدخان النفط المحترق والبارود، فإن الحرب لا تكتفي بإضعاف العدو، بل تقود المنظومة الحيوية برمتها نحو الهلاك.

​ختاماً، لا بد من القول إن الحرب لا يوجد فيها رابح أبداً؛ فحتى الطرف الذي يُعلن "منتصراً" هو في الحقيقة خاسر من المنظور الأخلاقي والإنساني. الحرب هي المحرقة لكل القيم الجمالية التي ميزت الإنسان عن بقية الكائنات. لا يوجد نصر عسكري يستحق أن تُذرف لأجله دمعة طفل أو تُسفك قطرة دم بريء. إن الحرب هي الفشل الذريع للعقل البشري في إيجاد لغة للتعايش. وما لم تؤمن البشرية بأن السلام هو الخيار الوحيد للبقاء، فإن هذه الدورة المشؤومة من الدمار ستستمر. إنها مسؤولية كل فرد، وكاتب، وصحفي، أن يقف بكل قوته في وجه هذه المحرقة، ويعمل من أجل عالم يعلو فيه صوت العقل والتسامح فوق صوت البارود؛ لأنه في نهاية كل حرب، لا تبكي سوى الإنسانية، ولا يسجل التاريخ سوى الخزي والندم. إن إنقاذ القيم الإنسانية من لظى الحرب هو الاختبار الأكبر لضمائرنا في هذا العصر.


 رێگای كوردستان ماڵپەڕێكی سیاسی، رۆشنبیری، گشتییە ئۆرگانی حزبی شیوعی كوردستانە، مەكتەبی راگەیاندنی ناوەندی بەڕێوەی دەبات

میدیا

   تەلەفۆن:   797 4635 750 964+

   ناونیشان:  هەولێر - گەرەکی ئازادی - نزیك نەخۆشخانەی نانەکەلی

   ئیمێل:  regaykurdistan@gmail.com

سۆسیال میدیا