
ستار احمد
يُعد الاضطهاد أحد أكثر المصطلحات قتامة في التاريخ البشري، فهو ليس مجرد فعل عابر من القسوة، بل هو نظام متكامل يهدف إلى تطويع الإرادة الإنسانية وسلب الحقوق الأساسية. وعندما يمارس هذا الاضطهاد من قبل الحكومات تجاه شعوبها، فإنه يتحول إلى خيانة للعقد الاجتماعي، حيث تصبح الدولة التي يُفترض بها حماية المواطن هي مصدر تهديده الأول.
* جوهر الاضطهاد: استهداف اللغة للسيطرة على المورد
تبدأ جذور الاضطهاد السياسي والمجتمعي حين تدرك السلطة أن السيطرة على الأرض والموارد لا تتم إلا بكسر إرادة الإنسان أولاً. وكما يعلمنا التاريخ، فإن أخطر أنواع القمع هو الذي يبدأ بـ توزيع اللغة وتفتيتها؛ فمحاربة لغة الشعب وطمس هويته الثقافية هي المرحلة التمهيدية لتقسيم أرضه ونهب موارده. فالمواطن الذي يُعزل عن لغته وتاريخه يصبح جسداً بلا روح، مما يسهل على الأنظمة الاستبدادية إعادة صياغته والتحكم في مصيره.
* أدوات القمع: كيف تسيطر الحكومات على العقول والأجساد..؟
لا يعتمد الاضطهاد الحديث على القوة العسكرية الفجة فقط، بل يمتد ليشمل شبكة معقدة من الأدوات الممنهجة.
القمع القانوني والبوليـسي: عبر سن قوانين مطاطة وتوجيه تهم جاهزة لكل من يطالب بحقوقه الثقافية أو السياسية.
*الحرب النفسية وصناعة الخوف: زرع الشك والمراقبة المستمرة لجعل المواطن يعيش في سجن نفسي قبل السجن الفعلي.
الآلة الدعائية التضليل الإعلامي: استخدام وسائل الإعلام لشيطنة المدافعين عن حقوقهم، وتصويرهم كخونة أو عملاء، لتبرير قمعهم أمام الصامتين من الشعب.
3. الدرع القانوني: القوانين الدولية كحائط صد..
أمام هذا الاستبداد، صاغ المجتمع الدولي منظومة قانونية لحماية كرامة الإنسان، تُلزم الحكومات باحترام شعوبها، ومن أبرزها:
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948): الذي يضمن حق كل فرد في الحياة والحرية والكرامة دون تمييز لغوي أو عرقي.
العهدان الدوليان (1966): اللذان يقرّان حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحماية حقوقها المدنية والسياسية والثقافية.
اتفاقية مناهضة التعذيب (1984): التي تمنع أي ممارسة تحط من قدر الإنسان وتُجرّم مرتكبيها دولياً.
*المحكمة الجنائية الدولية: التي تلاحق القادة المتورطين في جرائم الاضطهاد الممنهج والجرائم ضد الإنسانية، لضمان عدم الإفلات من العقاب.
+. هل للاضطهاد نهاية؟
إن محاولات الحكومات لطمس هوية الشعوب أو تقسيم ثرواتها عبر قمع لغتها وفكرها مآلها الفشل دائماً. فالتاريخ يثبت أن الاضطهاد يولد وعياً جمعياً أقوى، وأن دولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.
الوعي بالحقوق، والتمسك باللغة كوعاء للفكر، والاستناد إلى الشرعية الدولية، هي الخطوات الأولى والأساسية لكسر قيود الاستبداد واستعادة السيادة على المورد والأرض.